الرواية الأولى

نروي لتعرف

الكتلة الحرجة / ود البلد

التعدين كمحرك اقتصادي… هل تصبح الفضة فرصة السودان للخروج من اقتصاد الحرب؟

الذهب؛ من معدن ثمين إلى لغة سلطة في السودان:
لم يعد الذهب مجرد معدن ثمين، بل تحوّل إلى لغة من لغات السلطة ووقود للصراع. منذ اندلاع الحرب، بات واضحًا أن من يسيطر على الذهب يملك القدرة على تمويل السلاح، شراء الولاءات، والاستمرار خارج أي منطق للدولة و مؤسساتها. غير أن هذا الاعتماد المرضي على الذهب، رغم أهميته الاقتصادية، يخفي في ظله فرصة مهملة وقابلة للتفكير السياسى السيادي: الفضة، بوصفها مخرجًا اقتصاديًا أقل قابلية للاختطاف المليشياوي، وأكثر انسجامًا مع منطق الدولة الحديثة.
تنطلق هذه القراءة من فرضية بسيطة لكنها مركزية: ما دامت مليشيات اقتصاد الحرب تتغذى على الذهب، فإن تنويع التعدين لصالح الفضة ليس خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل قرارًا سياديًا يعيد تعريف العلاقة بين المعدن والسلطة.

إنتاج قياسي واقتصاد مختطف:
خلال السنوات الأخيرة، برز السودان كأحد أكبر منتجي الذهب في أفريقيا، بإنتاج قُدّر بنحو سبعين طنًا متريًا في عام ٢٠٢٥، متجاوزًا المستهدف الرسمي رغم الحرب. غير أن هذا “الإنجاز الرقمي” يخفي واقعًا أكثر قتامة. فالغالبية الساحقة من الإنتاج تأتي من التعدين التقليدي غير المنظم، المنتشر في دارفور وكردفان ووادي النيل و البحر الأحمر، حيث تعمل ملايين الأيادي خارج أي رقابة مالية أو بيئية حقيقية.
هذا النمط من الإنتاج قاد إلى تأثير بيئي واسع، وانتشار خطير للتلوث بالزئبق، وجعل الذهب موردًا سهل التحول إلى مال حرب، بعيدًا عن أي سيطرة سيادية للدولة.

التهريب؛ حين تفقد الدولة موردها:
المشكلة لا تتوقف عند الإنتاج، بل تمتد إلى التهريب. الجزء الأكبر من الذهب السوداني لا يمر عبر القنوات الرسمية، بل يُهرّب خارج البلاد عبر شبكات عابرة للحدود، تشكّل فيها الإمارات مركز الثقل المالي واللوجستي. هذا الواقع لا يحرم الدولة من مليارات الدولارات فحسب، بل يمنح مليشيا الدعم السريع شريان حياة مفتوحًا يُغذّي قدرتها على الاستمرار العسكري والسياسي.
ورغم محاولات القوات المسلحة إعادة توجيه الصادرات نحو مسارات أكثر انضباطًا، يظل الذهب حتى اللحظة موردًا سهل الاختطاف، وسلاحًا في يد من لا يريدون بقاء مظاهر دولة.

من بديل النفط إلى وقود الحرب:
بعد انفصال جنوب السودان، فقد السودان الجزء الأكبر من إيرادات النفط، فتحوّل الذهب إلى البديل الاستراتيجي شبه الوحيد. اليوم يشكّل الذهب عماد الصادرات السودانية، ويوفر إيرادات تُقدّر بمليارات الدولارات سنويًا. لكن مع اندلاع الحرب، انقلبت وظيفته من مورد للدولة إلى عملة للصراع، وأداة تمويل مباشر لمليشيا الدعم السريع عبر شبكات تهريب إقليمية وشراكات غير معلنة مع فاعلين دوليين، تتقدمهم الإمارات.
هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل استمرار الاعتماد الأحادي على الذهب يخدم الدولة، أم يطيل عمر الحرب؟

الذهب كمورد مثالي لاقتصاد المليشيا:
تكمن خطورة الذهب في بساطته. سهولة استخراجه، وقابليته العالية للتسييل السريع، وطلبه العالمي كملاذ آمن، كلها خصائص تجعله مثاليًا لاقتصاد المليشيا، لكنها في الوقت نفسه تجعله موردًا إشكاليًا لبناء دولة حديثة قائمة على الرقابة والمحاسبة.
هذا التناقض البنيوي يفرض التفكير في مورد أقل قابلية للاختطاف، وأكثر ارتباطًا بمنطق الإنتاج طويل الأجل، وهنا تبرز الفضة.

الفضة في السودان؛ معدن مهمل وقيمة سيادية:
على عكس الذهب، لم تحظَ الفضة باهتمام سياسي أو أمني يُذكر، رغم أن السودان يُعد من الدول المنتجة لها كمنتج ثانوي، بما يضعه ضمن كبار المنتجين عالميًا. تنتشر رواسب الفضة في مناطق مثل جبال الإنقسنا، والبحر الأحمر.
ورغم توفر بنية تكرير أساسية، ظل التركيز منصبًا على الذهب، لأن الفضة أقل سهولة في التهريب، وأكثر ارتباطًا بالصناعة، وأقل جاذبية لاقتصاد الحرب السريع. وهي صفات، وإن بدت سلبية للبعض، تمثل في الواقع نقطة قوتها السياسية.

معدن القلق العالمى وفرصة الدولة:
في الأسواق العالمية، تُستخدم نسبة الذهب إلى الفضةGold Silver Ratio كمؤشر على القلق الهيكلي. مع بداية عام ٢٠٢٥، تجاوزت هذه النسبة مستويات تاريخية مرتفعة، في دلالة على تصاعد المخاوف الجيوسياسية، واضطراب سلاسل الإمداد، واحتدام السباق الصناعي في مجالات الطاقة والدفاع والتقنيات الدقيقة. الفضة لم تعد مجرد معدن مرافق، بل عنصرًا استراتيجيًا يدخل في الطاقة الشمسية، والصناعات الدفاعية، والإلكترونيات المتقدمة، إلى جانب دورها كمخزن للقيمة في أزمنة عدم اليقين.

الفضة بين ندرة العرض وتصاعد الطلب:
خلال السنوات الخمس الماضية، دخلت الفضة مرحلة واضحة من اختلال التوازن بين العرض والطلب. فعلى مستوى الإنتاج العالمي، ظل المعروض شبه ثابت، بل تراجع نسبيًا في بعض الأعوام، نتيجة انخفاض الاستثمارات في المناجم الجديدة، وارتفاع تكاليف الاستخراج، واعتماد الفضة في الأساس كمعدن ثانوي مرتبط بتعدين النحاس والزنك، ما يجعل زيادتها مرهونة بدورات معادن أخرى لا بطلبها المباشر.
في المقابل، شهد الطلب العالمي على الفضة قفزات متتالية ذات طابع هيكلي لا ظرفي. التوسع السريع في مشاريع الطاقة الشمسية رفع الاستهلاك الصناعي إلى مستويات غير مسبوقة، بينما زادت الصناعات الدفاعية والإلكترونية اعتمادها على الفضة كمكوّن لا بديل عمليًا له في كثير من التطبيقات الدقيقة. وفي الوقت نفسه، عادت الفضة بقوة إلى محافظ المستثمرين كأداة تحوّط في مواجهة التضخم واضطراب العملات، ما أضاف ضغطًا مستمرًا على السوق.
نتيجة هذا المسار، سجّل سوق الفضة عجزًا سنويًا متكررًا، حيث تجاوز الاستهلاك حجم الإنتاج المتاح، ولم تُسدّ الفجوة إلا جزئيًا عبر إعادة التدوير أو السحب من المخزونات، وهي حلول مؤقتة لا تصمد أمام طلب متزايد. هذا الاختلال البنيوي يعني أن الفضة تدخل المرحلة المقبلة كمعدن نادر فعليًا، لا كمعدن منخفض القيمة كما يوحي سعره النسبي مقارنة بالذهب.
بالنسبة للسودان، لا تمثل هذه المعادلة فرصة سعرية فحسب، بل فرصة توقيت سياسي واقتصادي نادرة، تضع الدولة في موقع المنتج في سوق يعاني من شح مزمن، في وقت يصعب على اقتصاد الحرب استيعاب متطلباته الصناعية واللوجستية.

الفضة كسلاح اقتصادي هادئ:
من هذا المنطلق، يمكن للدولة السودانية، عبر القوات المسلحة ومؤسساتها الاقتصادية، إعادة توجيه جزء من النشاط التعديني نحو الفضة، بما يرشد الاعتماد على الذهب المختطف، ويخلق موردًا أقل قابلية للتهريب، وأكثر خضوعًا للرقابة.
سياسيًا، يعني ذلك تقويض أحد شرايين تمويل مليشيا الدعم السريع، وتقليص قدرة الإمارات على لعب دور الوسيط المالي غير المرئي، وتحويل الثقل من اقتصاد التهريب إلى اقتصاد الإنتاج الصناعي المنظم. وبعبارة أوضح، الفضة ليست مجرد فرصة اقتصادية، بل أداة صراع هادئ يمكن أن تُدار لصالح الدولة.

خارج منطق الريع الحربي:
سيظل الذهب عنصرًا مهمًا في الاقتصاد السوداني، لكن الإصرار عليه كمورد شبه وحيد هو إصرار لا يستصحب قواعد لعبة صممتها المليشيا. في المقابل، تمثل الفضة فرصة تنويع حقيقية، وسلاحًا اقتصاديًا مضادًا، واختبارًا لقدرة الدولة على التفكير خارج منطق الريع الحربي.
السؤال لم يعد: هل يستطيع السودان تعدين الفضة؟
بل: هل يملك الإرادة السياسية لنقل المعركة من مناجم المليشيا إلى اقتصاد الدولة؟
هنا فقط يصبح التعدين جزءًا من معركة السودانيين لإعادة بناء السودان، لا وقودًا لاستمرار الحرب.

اترك رد

error: Content is protected !!