من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

الاتحاد الإفريقي يحسم الموقف: لا شرعية خارج مؤسسات الدولة السودانية

محمد الحاج

في جلسة مجلس السلم والأمن الإفريقي رقم 1330 المنعقدة في أديس أبابا يوم 12 فبراير 2026، خرج الاتحاد الإفريقي بقرار حاسم أعاد ترتيب المشهد السوداني. المجلس أكد أن الاتحاد لن يعترف بأي كيان خارج مؤسسات الدولة الرسمية، وهو ما يمثل ضربة مباشرة لمحاولات المليشيا المعروفة باسم “الدعم السريع” لفرض نفسها كطرف سياسي أو عسكري شرعي. القرار شدد على أن السودان دولة واحدة ذات سيادة، وأن أي محاولة لإنشاء حكومة موازية أو إدارة مدنية خارج المؤسسات الرسمية “لا قيمة لها ولن تحظى بأي اعتراف”.

هذا الموقف الإفريقي أغلق عملياً كل الأبواب أمام المليشيا وداعميها السياسيين والإقليميين، الذين سعوا خلال الفترة الماضية إلى إيجاد موطئ قدم لها في المشهد السوداني. الاتحاد الإفريقي أوضح أن التعامل الدبلوماسي والسياسي سيكون حصراً مع مؤسسات الدولة، ما يعني تصفية سياسية لأي محاولة لشرعنة وجود هذه الميليشيا في مستقبل السودان.

بالنسبة للدولة السودانية، تمثل هذه القرارات دعماً سياسياً ومعنوياً كبيراً، إذ تمنح الحكومة شرعية إقليمية قوية وتضع الجيش والمؤسسات الرسمية في موقع الطرف الوحيد المخوّل بالتحدث باسم البلاد. كما أنها تقطع الطريق أمام المليشيا للحصول على أي غطاء دبلوماسي أو سياسي، وتضع الدول التي كانت تتعامل بحذر في موقف واضح لا يحتمل المساومة.

على المستوى الدولي، يبرز التباين بين الموقف الإفريقي والمواقف الغربية. الاتحاد الأوروبي يركز على فرض عقوبات على الأطراف التي تعرقل الانتقال السياسي، مع اهتمام بالجانب الإنساني والتحذير من كارثة إنسانية. أما الولايات المتحدة، فتعمل عبر “الرباعية” الإقليمية وتطرح مبادرات سلام جديدة، مع تخصيص مساعدات إنسانية إضافية. هذا التباين يعكس اختلاف الأولويات: الاتحاد الإفريقي يسعى لتثبيت الشرعية المؤسسية وحماية وحدة الدولة، بينما القوى الدولية توازن بين الضغط السياسي والاستجابة الإنسانية.

إقليمياً، لعبت مصر دوراً محورياً في الدفع نحو هذا القرار، حيث استثمرت ثقلها الدبلوماسي لإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة السودانية ورفض مساواتها بالمليشيات. الموقف المصري يعكس حرص القاهرة على استقرار السودان باعتباره امتداداً للأمن القومي المصري، وهو ما جعلها تضغط بقوة داخل أروقة الاتحاد الإفريقي حتى خرج البيان بهذه الصيغة الصارمة. السعودية من جانبها تتابع التطورات عن كثب، إذ ترى أن استقرار السودان ضروري لأمن البحر الأحمر وللتوازن الإقليمي، وهي جزء من “الرباعية” التي تعمل مع واشنطن والقاهرة على طرح مبادرات سلام. الرياض عززت موقفها مؤخراً بدعم سياسي ومالي للحكومة السودانية، مؤكدة أن وحدة السودان واستقراره أولوية استراتيجية.

على الأرض، تتزامن هذه القرارات مع تقدم القوات المسلحة السودانية في عدة محاور استراتيجية. فقد تمكنت من تحقيق مكاسب مهمة في جبال النوبة وكادوقلي، حيث استعادت السيطرة على مواقع كانت تشهد نشاطاً مكثفاً للمليشيا. كما تتقدم القوات نحو دارفور وشمال كردفان، في محاولة لتطويق المليشيا وإنهاء نفوذها العسكري في هذه المناطق الحساسة. هذا التقدم الميداني يعزز الموقف السياسي للحكومة السودانية، ويجعل من قرار الاتحاد الإفريقي سنداً إضافياً في معركة استعادة الدولة لسيادتها الكاملة.

انعكاس هذه القرارات على الاستقرار الداخلي واضح: فهي تمنح المؤسسات الرسمية قوة إضافية لإعادة بناء الدولة، وتضعف قدرة المليشيا على المناورة، وتفتح الباب أمام إعادة هيكلة المؤسسات المدنية والإدارية بعيداً عن الضغوط الخارجية. ومع التقدم العسكري على الأرض، يصبح هذا القرار نقطة ارتكاز نحو استقرار داخلي أكثر رسوخاً، يفتح المجال أمام السودان للانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة إعادة البناء.

بهذا القرار، أعاد الاتحاد الإفريقي للسودان جزءً من هيبته المفقودة، وأكد أن مستقبل البلاد لن يُرسم إلا عبر مؤسساتها الشرعية، ما يضع الأساس لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي إذا ما توافرت الإرادة الداخلية والدعم الدولي والإقليمي المتوازن.


١٤ فبراير ٢٠٢٦

اترك رد

error: Content is protected !!