الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

الابتكار في زمن الذكاء الاصطناعي (5)

د. محمد عبدالرحيم




في المقالات السابقة تناولنا التحول الذكي من زاوية تحسين الخدمات، ورأينا كيف يسهم الذكاء الاصطناعي في رفع الكفاءة ودعم القرار. لكن الأثر الأعمق لهذه التحولات لا يقف عند حدود الخدمة، بل يمتد إلى الاقتصاد وفرص العمل وبناء قطاعات إنتاجية جديدة.
عندما تتبنى الدولة حلولا ذكية في قطاعاتها الحيوية، فهي لا تطور الخدمة فقط، بل تولد طلبا على مهارات ووظائف حديثة. فالأنظمة الصحية أو الإدارية الذكية تحتاج إلى محللي بيانات، ومطوري نظم، وخبراء أمن معلومات، وفنيي دعم تقني. هكذا يتحول الاستثمار في التقنية من بند إنفاق إلى محرك لسوق عمل حديث.
كما يفتح الذكاء الاصطناعي المجال أمام شركات محلية ناشئة تطور حلولا موجهة لاحتياجات البيئة السودانية، بدلا من الاعتماد على أنظمة مستوردة. هذا التوجه يراكم معرفة وطنية، يسهم في تنشيط الاقتصاد الرقمي.
وتبرز الصورة بوضوح في الزراعة والثروة الحيوانية، وهما من أعمدة الاقتصاد السوداني. في محاصيل مثل القمح والذرة والسمسم، والفول، يمكن لمنصات ذكية تعتمد على بيانات الطقس والتربة وصور الأقمار الصناعية أن تقدم توصيات دقيقة للمزارعين حول مواعيد الزراعة والري والتسميد، مما يزيد الإنتاجية ويقلل الفاقد، ويساعد الدولة على تقدير الإنتاج مبكرا والتخطيط للتخزين والتسويق.
وفي قطاع الثروة الحيوانية، يمكن لتطبيقات بسيطة أن تسجل أعداد القطعان وتحركاتها وملاحظات عن الأمراض. وعند تحليل هذه البيانات، يصبح من الممكن التنبؤ بمخاطر انتشار الأوبئة الحيوانية مبكرا، وتوجيه حملات التطعيم والخدمات البيطرية إلى المناطق الأكثر حاجة.
مع تراكم البيانات المنظمة، تنشأ قيمة اقتصادية جديدة تتمثل في القدرة على التخطيط الدقيق وتقليل الهدر وتوجيه الاستثمارات بكفاءة. كما تعزز البنية الرقمية الذكية ثقة الشركاء والمستثمرين، لأن القرارات تصبح مبنية على مؤشرات قابلة للقياس.
غير أن هذا التحول لا يحدث بمجرد إدخال التقنية، بل يتطلب استثمارا حقيقيا في الإنسان عبر التدريب وتحديث المناهج وربط التخصصات بالتقنية وإدارة البيانات. فالذكاء الاصطناعي منظومة عمل جديدة قبل أن يكون مجرد برمجيات.
هكذا نصل إلى خلاصة هذه السلسلة: الابتكار في زمن الذكاء الاصطناعي يبدأ من مشكلات الناس الواقعية، ويمتد أثره من تحسين الخدمة إلى دعم الاقتصاد وبناء مستقبل أكثر كفاءة واشراقا …
١٠ فبراير ٢٠٢٦م

تعليق واحد

اترك رد

error: Content is protected !!