الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

الابتكار في زمن الذكاء الاصطناعي (4)

د. محمد عبدالرحيم يسن





أشرنا في المقال السابق أن التحول الذكي لا يبدأ من التقنية، بل من مشكلة خدمية حقيقية ينعكس فيها هذا المفهوم مباشرة على حياة الناس، يبرز القطاع الصحي كأحد أكثر القطاعات إلحاحا، خاصة في البيئات التي تعاني من ضغط على الكوادر وتباعد جغرافي وضعف في المتابعة الطبية.
تعثر الخدمة الصحية لا يرتبط دائما بنقص المباني أو الأجهزة، بل باختناقات غير مرئية مثل تنظيم المواعيد، نقص المعلومات عن المرضى، وصعوبة متابعة الحالات المزمنة. هنا يظهر الذكاء الاصطناعي كأداة تنظيم ورفع كفاءة قبل أن يكون أداة تشخيص متقدمة.
لنأخذ مثالا عمليا قابلا للتطبيق على مستوى ولايات السودان: “*نظام ذكي لإدارة ومتابعة مرضى الأمراض المزمنة في الرعاية الصحية الأولية، مثل السكري وأمراض القلب ، وضغط الدم. هذه الفئة تشكل نسبة كبيرة من المراجعين، وسوء متابعتها يؤدي إلى مضاعفات مكلفة على المريض والنظام الصحي معا.
التحول الرقمي التقليدي قد يكتفي بسجل إلكتروني للمرضى، أما التحول المدعوم بالذكاء الاصطناعي فيستخدم البيانات لدعم القرار الطبي والإداري. من خلال تحليل القياسات الدورية والتاريخ المرضي، يمكن للنظام التنبؤ بالحالات الأكثر عرضة للتدهور، وتنبيه الكادر الصحي للتدخل المبكر قبل تفاقم الحالة.
كما يمكن استخدام التحليل الذكي لتنظيم المواعيد حسب خطورة الحالة، لا حسب أسبقية الحجز فقط، مما يوجه الموارد المحدودة نحو المرضى الأكثر احتياجا. وعلى المستوى الإداري، تكشف البيانات المجمعة أنماطا مهمة مثل مناطق ترتفع فيها معدلات المرض أو ضعف الالتزام بالعلاج، فتتحول هذه المؤشرات إلى قرارات عملية في الإمداد والتوعية وتوزيع الكوادر.
ميزة هذا النموذج أنه لا يتطلب البدء بمستشفيات متقدمة، بل يمكن إطلاقه من مراكز الرعاية الصحية الأولية، عبر نظام موحد لتسجيل البيانات ومنصة تحليل مركزية على المستوى القومي. ومع تراكم البيانات، تتحسن دقة التحليلات ويزداد أثرها.
تشغيل الخدمة على مستوى جميع الولايات يصبح ممكنا عندما تبنى المنصة الصحية الذكية كبنية قومية مشتركة، بينما يبقى التنفيذ محليا. كل مركز صحي يساهم بالبيانات ويستفيد من التحليلات، وكل ولاية تحصل على صورة أدق لواقعها الصحي، في حين تمتلك الوزارة الاتحادية مؤشرات حية تدعم التخطيط وتوجيه الموارد بعدالة.
الأثر الحقيقي هنا ليس فقط في تسريع الخدمة، بل في الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق ، من انتظار المضاعفات إلى توقعها، ومن القرارات الحدسية إلى القرارات المبنية على البيانات. الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الطبيب، بل يعزز قدرته ويخفف عنه ضغط التفاصيل.
بهذا الفهم، يصبح التحول الذكي في الصحة مشروع تحسين جودة حياة، وتقليل معاناة، وحسن استغلال للموارد.
في المقال القادم، ننتقل من أثر الذكاء الاصطناعي على الخدمات إلى دوره في تحفيز الاستثمار وبناء فرص اقتصادية جديدة.

٧ فبراير ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!