
تناولنا في المقال السابق أهمية استشراف المستقبل في مرحلة ما بعد الحرب، ننتقل اليوم إلى أداة عملية تساعد على تحويل هذا المفهوم إلى ممارسة واقعية، وهي بناء تصورات متعددة للمستقبل.
استشراف المستقبل لا يعني التنبؤ بما سيحدث بدقة، بل يعني توسيع زاوية الرؤية. فبدلا من التخطيط لمستقبل واحد نفترض أنه الأقرب للحدوث، نستعد لعدة احتمالات ممكنة، مستندين إلى قراءة الاتجاهات الحالية والعوامل المؤثرة في الواقع. وبهذه الطريقة يصبح التخطيط أكثر مرونة وأقل عرضة للارتباك أمام المفاجآت.
في السياق السوداني، وفي ظل استمرار آثار الحرب وتعقيدات التعافي، تتعدد المتغيرات التي يصعب حسم مسارها. حركة السكان، عودة الخدمات، استقرار النشاط الاقتصادي، وقرار الكفاءات المهاجرة بالعودة أو البقاء في الخارج، كلها عوامل مفتوحة على أكثر من احتمال. لذلك لا يكفي أن نضع خطة على افتراض واحد، بل ينبغي أن نتساءل: ماذا لو تسارعت العودة إلى العاصمة الخرطوم؟ ماذا لو استمرت الضغوط على مناطق معينة؟ ماذا لو طال أمد التعافي في بعض القطاعات؟
بناء تصورات مستقبلية يبدأ بتحديد واضح لما نريد التخطيط له، مثل التعليم أو الصحة أو الاسكان. ثم نحدد العوامل الاكثر تأثيرا فيه خلال السنوات القادمة، كحجم الموارد، والاستقرار، وتوفر الكوادر، وحركة السكان. بعد ذلك نرسم صورا مختلفة للمستقبل بحسب تغير هذه العوامل، دون ادعاء ان ايا منها هو المسار المؤكد.
في قطاع التعليم مثلا، قد نتصور حالة تعاف سريع تعود فيها اعداد كبيرة من الطلاب الى المدارس خلال فترة قصيرة، وحالة تعاف تدريجي تستمر فيه الفجوات التعليمية لسنوات، وحالة ضاغطة تتزايد فيها الكثافة في مناطق محددة بسبب النزوح. كل تصور من هذه التصورات يفرض قرارات مختلفة في توزيع المعلمين، وتوسعة الفصول، وتوجيه الموارد.
قيمة هذه المنهجية لا تكمن في اختيار تصور واحد والالتزام به، بل في اختبار الخطط عبر عدة احتمالات. فالخطة القوية هي التي تستطيع الصمود في اكثر من مسار، وتبقى قابلة للتعديل كلما ظهرت مؤشرات جديدة.
في عصر الذكاء الاصطناعي، يمكن دعم هذا النهج ببيانات اكثر دقة. تحليل المؤشرات السكانية والخدمية يساعد على فهم الاتجاهات بصورة اوضح، إلا ان جوهر العملية يظل تفكيرا منظما وحوارا واعيا بين صناع القرار.
في بيئة محدودة الموارد مثل بيئتنا، لا يعد هذا الاسلوب ترفا، بل ضرورة عملية لتقليل المخاطر وحسن توجيه الجهد. فالمستقبل لن يسير في خط مستقيم، والاستعداد لعدة احتمالات هو اقرب الطرق لبناء مؤسسات اكثر قدرة على الصمود.
في المقال القادم، ننتقل الى اداة مكملة لهذا النهج، وهي كيف تتحول البيانات من مجرد تقارير محفوظة الى بوصلة حقيقية تدعم القرار اليومي داخل المؤسسات.
١٤ فبراير ٢٠٢٦م


