
في عالمٍ يتغيّر بسرعة، لم تعد الحروب تُعلَن بالدبابات وحدها، ولا تُحسم في ميادين القتال فقط، بل تُدار بأساليب أكثر دهاءً، حيث تحوّلت القوّة العسكرية من وسيلة ردعٍ أخير إلى أداة استثمار سياسي واقتصادي يُعاد بها رسم الخرائط وتُفكَّك الدول وتُوجَّه بها مصائر الشعوب. لم تعد القوّة ضمانة دفاع، بل أصلًا استراتيجيًا يُدار بمنطق المصالح ويُسوَّق بشعارات أخلاقية براقة مثل حماية الديمقراطية وحفظ السلم الدولي، بينما حقيقتها فرض الإرادة وكسر القرار الوطني وإعادة تشكيل الدول الضعيفة بما يخدم الأقوياء.
والأخطر ليس استخدام القوّة فحسب، بل تطبيع استخدامها خارج الشرعية الدولية، حتى غدت العقوبات والحصار والضغوط والتدخلات غير المباشرة أدواتٍ معتادة في العلاقات الدولية. وهكذا ينتقل العالم تدريجيًا من حكم القانون إلى منطق الغلبة، ومن نظام القواعد إلى ميزان القوّة، حيث يتراجع الحق ويتقدّم النفوذ.
كما لم يعد استثمار القوّة مقتصرًا على النفوذ السياسي، بل أصبح وسيلة مباشرة للهيمنة الاقتصادية ونهب الموارد. تُفتح الطرق بالقهر نحو النفط والمعادن والموانئ ومصادر الطاقة عبر عقودٍ قسرية أو حكوماتٍ مُرتهنة أو فوضى مُدارة، فتتحول ثروات الدول الضعيفة إلى غنائم بيد الأقوى، في انتهاكٍ صريح للسيادة والعدالة. ومع اتساع هذا النهج، لم تعد الموارد وحدها مستهدفة، بل الحدود ذاتها، إذ تغدو الخرائط قابلة للتحريك والاقتطاع والوصاية، ويختل ميزان العدالة اختلالًا فادحًا حين تُرجَّح كفّة القوّة على كفّة الحق.
هذا الواقع يزرع منطقًا خطيرًا في النظام الدولي: البقاء للأقوى. فتتسابق الدول نحو التسلّح وامتلاك أدوات الردع، لا طمعًا فقط بل خوفًا من الانكشاف، ويتحوّل السلام إلى هدنة مؤقتة بين صراعات كامنة، ويصبح العالم أكثر توترًا وأقل أمانًا.
وفي الوقت نفسه يتكشف زيف الخطاب الأخلاقي الدولي؛ تُرفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان انتقائيًا، فتُدان القوّة حين يمارسها الضعفاء وتُشرعن حين يستخدمها الأقوياء. وتمتد الهيمنة إلى الاقتصاد العالمي، حيث تتحول التجارة إلى أداة عقاب سياسي عبر العقوبات وإغلاق الأسواق والحرمان من النظام المالي، فتُقصى الدول الضعيفة لا لقصورٍ اقتصادي بل لضعفها السياسي، وتفقد مواثيق التجارة الدولية معناها.
ومع غياب الردع والمساءلة تتآكل هيبة المؤسسات الدولية، ويتراجع دور الأمم المتحدة ومنظماتها كمرجعية جامعة، ليحلّ محلها منطق التحالفات والاصطفافات. فبدل الاحتماء بالقانون، تجد الدول نفسها مضطرة للاحتماء بالقوى الكبرى، ولو كان الثمن استقلال قرارها. وهنا تتحول السيادة من حقٍ تكفله المواثيق إلى امتيازٍ تمنحه موازين النفوذ.
وفي خضم ذلك، تبرز مسؤوليتنا الداخلية؛ فالتماسك الوطني ووحدة الصف ووعي المجتمعات ليست شعارات بل شروط بقاء، لأن الانقسامات هي البوابة التي تتسلل منها كل مشاريع الهيمنة.
ويبقى السؤال الجوهري: هل يتجه العالم من نظامٍ تحكمه الأمم المتحدة والقانون الدولي إلى نظامٍ تحكمه التحالفات، حيث يصطف الجميع خلف الدول العظمى كلٌّ بحسب قوته؟ وهل تكون السيادة حقًا يحميه القانون أم وزنًا يفرضه ميزان القوّة؟ إن الإجابة تتشكل الآن في واقع السياسة الدولية، ولذلك فإن التحسب لما هو قادم وتعزيز مناعتنا الداخلية لم يعد خيارًا، بل ضرورة.
فالتاريخ يعلّمنا أن الهيمنة، مهما تغيّرت أسماؤها، تبقى استعمارًا، وأن القوّة حين تُطلق بلا ضوابط لا تصنع سلامًا دائمًا، بل تؤجل انفجارًا أكبر.




