
مدخل:
في خطوة تصعيدية غير معتادة، أعلنت الجزائر في ٧ فبراير ٢٠٢٦ عن بدء إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة مع الإمارات في أبو ظبي عام ٢٠١٣، والمصادق عليها بمرسوم رئاسي في ٣٠ ديسمبر ٢٠١٤.
القرار، المستند إلى المادة (٢٢) من الاتفاقية، صدر دون تقديم مبررات فنية فورية، لكنه تزامن مع تصاعد غير مسبوق في حدة التوتر السياسي بين البلدين، بلغ ذروته في تصريحات للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مساء اليوم ذاته، اتهم فيها دولة خليجية – في إشارة واضحة إلى الإمارات – بالتدخل في الشأن الداخلي الجزائري، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية، وباستخدام ورقة التحكيم الدولي للضغط بعد إلغاء شراكات اقتصادية.
وقد ذهبت وسائل إعلام جزائرية رسمية إلى الحديث عن محاولات إماراتية لزعزعة الاستقرار الإقليمي والتدخل في شؤون دول المنطقة، ما وضع القرار الجوي في سياق سياسي أوسع يتجاوز الطيران المدني.
وفق الأعراف الدولية، ستُخطر الجزائر الجانب الإماراتي عبر القنوات الدبلوماسية، بالتوازي مع منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، بما يعني أن شركات الطيران الإماراتية، وعلى رأسها “طيران الإمارات” و”الاتحاد”، ستكون مضطرة لإعادة التفاوض قانونيًا في حال الرغبة في استمرار الرحلات المباشرة.
ورغم الطابع الفنى الظاهري للإجراء، إلا أنه يعكس تحولًا أعمق في مقاربة الجزائر لعلاقاتها مع أطراف باتت تُصنّف ضمن خانة “الشركاء غير الودودين”.
خلفيات القرار: السياسة قبل الطيران:
يأتي القرار نتيجة لتراكم طويل من الخلافات الإقليمية، تعمقت خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد تأكيد الرئيس تبون أن علاقات الجزائر جيدة مع معظم دول الخليج، باستثناء طرف واحد “تجاوز الخطوط الحمراء” عبر التدخل في الشؤون الداخلية.
وتتهم الجزائر أبو ظبي بدعم “حركة تقرير مصير القبائل (MAK)” المصنّفة كمنظمة إرهابية، فيما ترى الإمارات أن السياسة الخارجية الجزائرية تتسم بنزعة تصادمية إقليمية.
وتتوسع دوائر الخلاف بين البلدين لتشمل ملفات إقليمية حساسة، أبرزها ما يلى:
١- السودان، حيث يُنظر في الخطاب الجزائري إلى الإمارات كطرف داعم لمليشيا الدعم السريع، في مقابل تمسّك الجزائر سياسيًا بدعم القوات المسلحة السودانية والحفاظ على مركزية الدولة.
٢- ليبيا، حيث يوجد دعم جزائري لحكومة طرابلس، في مقابل دعم إماراتي لقوات خليفة حفتر.
٣- الصحراء الغربية، إذ يبرز انحياز الإمارات الواضح للموقف المغربي، في مواجهة الدعم الجزائري التقليدي لجبهة البوليساريو.
اقتصاديًا، قد يؤدي تعليق الاتفاقية إلى تقليص حركة الطيران والتجارة والسياحة بين الدولتين، علمًا بأن حجم التبادل التجاري غير البترولي بينهما بلغ نحو مليار دولار في ٢٠٢٢. كما يفتح القرار الباب أمام مراجعة أوسع للاستثمارات الإماراتية، خاصة في قطاعات الموانئ والطاقة، وهو ما ألمح إليه تبون عند حديثه عن تهديدات باللجوء إلى التحكيم الدولي بعد إلغاء شراكات صناعية واستثمارية.
من الشراكة إلى التوتر: مسار العلاقات الثنائية:
بلغت العلاقات الجزائرية – الإماراتية ذروتها خلال عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، مع استثمارات تجاوزت ٦٠٠ مليون دولار حتى عام ٢٠٢١.
غير أن وصول عبد المجيد تبون إلى السلطة عام ٢٠١٩ مثّل نقطة انعطاف، خاصة بعد توقيع الإمارات على الإتفاقيات الإبراهيمية عام ٢٠٢٠، وهو ما اعتبرته الجزائر خروجًا عن الإجماع العربي في ملف القضية الفلسطينية.
وتصاعد التوتر مع افتتاح قنصلية إماراتية في مدينة العيون أكبر مدن الصحراء الغربية، ثم اتهامات جزائرية متكررة بدعم أطراف انفصالية. وبحلول ٢٠٢٥، انتقلت العلاقات من مرحلة “البرود” إلى مرحلة “الصدام البارد”، مع تراجع التبادل التجاري غير البترولي، وصولًا إلى انفجار الأزمة علنًا في فبراير ٢٠٢٦.
أوراق الضغط الجزائرية:
تمتلك الجزائر أدوات ضغط مؤثرة، أبرزها موقعها كمورّد استراتيجي للغاز الطبيعي إلى أوروبا، إلى جانب شبكة علاقاتها الإقليمية مع أطراف مثل قطر وتركيا. كما تملك هامش مناورة سياسي في ملفات الساحل وشمال أفريقيا.
اقتصاديًا، تظل ورقة مراجعة الاستثمارات الإماراتية قائمة، بالتوازي مع توسيع الشراكات مع دول أخرى، لا سيما السعودية التي شهدت علاقاتها مع الجزائر تقاربًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة.
أفق العلاقات: إلى أين؟
تشير المعطيات الحالية، بما في ذلك حدة التصريحات الرئاسية الجزائرية الأخيرة، إلى احتمال استمرار التصعيد، وربما انتقاله إلى مستويات دبلوماسية أعمق إذا استمرت الاتهامات المتبادلة. ومع ذلك، لا تزال فرص التهدئة – ولو كانت محدودة – قائمة عبر وساطات إقليمية، إذا ما جرى تغليب منطق المصالح الاقتصادية على منطق الرسائل السياسية.
وعلى المدى المتوسط، قد تستقر العلاقة في إطار “خصومة باردة”، يُعاد فيها رسم توازنات إقليمية أوسع.
والمفارقة أن قرارًا فنياً متعلقًا بالمجال الجوي، كشف في جوهره عن صراع أعمق حول السيادة والنفوذ، وطرح بجلاء السؤال المفتوح: من يملك حق التحليق فى المجال السياسى للإقليم، ومن تُفرض عليه حدود ذلك التحليق؟


