الرواية الأولى

نروي لتعرف

فيما أرى / عادل الباز

أسطوانة مشروخة وهدنة لإنقاذ المليشيا

عادل الباز



١
البلاد تزينها كرنفالات الفرح… معنويات الشعب مرتفعة، وكتائب الأبطال تزحف صاعدةً إلى قمم الجبال وهابطةً إلى الوديان لتحرير ما تبقّى من كردفان، وكل الأنظار شاخصةٌ نحو دارفور…
وفي هذه اللحظة بالذات يطلّ علينا بوم الخراب مسعد بولس، ليعيد تشغيل أسطوانته المشروخة المعتادة: الهدنة، الرباعية، المساعدات الإنسانية، والوعود الخائبة واحدًا تلو الآخر…
لسوء حظه، في اللحظة التي كان يدلي فيها بتصريحاته أول أمس، كان الرئيس البرهان يتحدث على شاشة التلفزيون القومي بتصريحٍ موجزٍ نسف به كل ترهات بولس؛ قال بوضوح:
«لا هدنة ما دامت الميليشيا تحتل المدن».
٢
ماذا قال بولس بالضبط؟
قال إن «الآلية الرباعية توصلت إلى وثيقة لإحلال السلام في السودان مقبولة لدى طرفي النزاع».
ثم أردف أن «الرباعية توصلت إلى اتفاق سلام في السودان، وجرى التواصل مع اللجنة الرباعية إلى النص النهائي للاتفاق»، وأضاف: «سيُرفع إلى مجلس الأمن الدولي بعد تصديق الرباعية عليه».
إذن بحسب مسعد بولس: هناك اتفاقٌ جاهز، مقبول من الطرفين (المليشيا والدولة السودانية).
فما هي تفاصيل هذا الاتفاق العجيب؟
حسبما ذكر:
● هدنة إنسانية
● فتح ممرات آمنة للإغاثة
● انسحاب مقاتلي طرفي الحرب من بعض المناطق
هذا كل شيء… اتفاق ذو ثلاث شعب وماخفى اعظم!
لفضح هذه الألاعيب والأكاذيب نقول:
أولاً: قيادة الدولة أعلنت مرارًا أنها لا تتعامل مع ما يُسمى «الرباعية» طالما الإمارات جزء منها. المفاوضات تجري مع أمريكا والسعودية ومصر فقط، ولا تحمل عنوان «الرباعية» الذي يحاول بولس حشره تلبيةً لأوامر أسياده في أبوظبي.
ثانيًا: الهدنة كانت دائمًا محل قبول من الحكومة، لكن بشرطٍ واضح لا مواربة فيه: انسحاب الميليشيا من المدن إلى معسكراتها. الجديد الآن — تحت الضغط العسكري — أن بولس يحاول الالتفاف على هذا الشرط بصيغة خادعة: «انسحاب طرفي الحرب من بعض المناطق»… مناطق مجهولة في الخلاء، وليس المدن المحددة التي تحتلها المليشيا والتي يطالب الشعب بتحريرها.
فبعض الوسطاء يتحدثون عن انسحاب من الفاشر فقط… فماذا عن نيالا التي بدأت فيها حملات الإبادة؟ وعن زالنجي والضعين والنهود وبارا؟ أتُترك هذه المدن فريسةً لمذابح الجنجويد؟
والسؤال الأهم: من أين ينسحب الجيش بالضبط؟ وإلى أين؟
هل من أم درمان والأبيض مثلًا؟ أم من مواقعه الاستراتيجية والطرق والمناطق الحاكمة خارج المدن؟
وكيف يثق الجيش بتعهدات مليشيا خبرها كذبًا ونكثًا لكل اتفاق سابق؟
الحقيقة — كما قال أمجد فريد أمس — أن الخطة المطروحة في المبادرة السعودية-الأمريكية لا تتضمن سحب قوات الجيش أبدًا، بل نشر قوات الشرطة السودانية والإدارات المدنية الحكومية في المناطق التي تنسحب منها مليشيا الدعم السريع، مع بقاء الجيش في ثكناته ومقاره على المستوى القومي.
بل طرحت الحكومة أنها مستعدة لقبول قوات أممية تحرس معسكرات المليشيا إذا خافت من ملاحقة الجيش لها هناك. الجيش في ثكناته أصلاً، والمطلوب — كما اقترحت الحكومة في واشنطن — هو إدارة مدنية من الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا، مع قوات شرطة لتأمين المدن.
٣
وبقية الأسطوانة المشروخة تدور حول الإغاثة… فقد تعهد بولس بدعوة مؤتمر يجمع مليارًا ونصف المليار دولار «لصالح البلاد»!! كم مرة سمعنا هذا الهراء في مؤتمرات سابقة، وكان الحصاد دائمًا الرماد؟
في مؤتمر باريس 2025 تعهّد المانحون بـ4.2 مليار دولار… وفي نهاية العام جُمع 22% فقط. وبالأمس أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أن المنظمة الأممية على وشك الإفلاس!
أمريكا أغلقت USAID وعلّقت كل أنشطتها في السودان.
حتى في مؤتمر واشنطن امس الاول الذي دعا إليه بولس لم يتبرع أحد إلا بمبالغ رمزية: أمريكا 200 مليون دولار فقط لأسوأ أزمة إنسانية في العالم… والإمارات 400 مليون دولار قال عنه وعن الإمارات كاميرون هدسون (إن المؤتمر بأكمله لا يُنظر إليه إلا كجزء من «غسل المساعدات» لجرائم الإمارات، وليس جهدًا جادًا لجمع تمويل حقيقي.)
٤
السؤال الذي يحيّرني حقًا:
ما يطرحه بولس الآن رفضه الجيش سابقًا حين كان الوضع الميداني للمليشيا أقوى بكثير؛ معسكراتها محاصرة، مدنها محاصرة، وحلفاؤها قليلون. اليوم فُك الحصار عن كادقلي والدلنج وغيرهما، ولا يوجد معسكر محاصر، والأسلحة المتطورة تتدفق، والحلفاء الثقيلون أعلنوا دعمهم علنًا، والشعب الذي وقف مع الجيش في أحلك اللحظات رافضٌ رفضًا قاطعًا لأي هدنة أو تفاوض مع المليشيا.
في هذا التوقيت بالذات، وبهذا الزخم العسكري والشعبي، ما الذي يدفع لقبول هدنةٍ مذلةٍ تُعيد تموضع المليشيا وتنقذها من الهزيمة الوشيكة؟
الهدنة التي يروّج لها بولس ليست سلامًا… إنها طوق نجاة يُلقى لمليشيا تغرق في وحل الهزيمة.
الشعب لن يقبل بها، والجيش — الذي تعهد قائده العام البرهان أمس في التكينة أنه لن يخون دماء الشهداء — لن يقبل هدنةً تُفرض لإنقاذ الميليشيا.
متحركاته الآن تزحف في كل الاتجاهات، تطارد أشباح المليشيا، والشعب ينتظره قريبًا ليصلي معه فجر الخلاص حاصر والصلاة في ساحات النصر لم تعد أمنية… بل موعدٌ يسطّره الأبطال الآن.
نقلا عن ايلاف

اترك رد

error: Content is protected !!