الرأي

أجراس العودة تدق

المسلمي البشير الكباشي

اختار الرئيس عبد الفتاح البرهان منطقة الكلاكلة المكتظة بالسكان جنوبي الخرطوم ،ليبعث منها رسائل للناس،للشعب حيث قال:(رسالتنا للمواطنين كافة ألا ينساقوا خلف حديث المشككين والمتربصين والخونة والعملاء الذين يقفون ضد عودة المواطنين ،داعياً السودانيين للعودة والمساهمة في تأهيل المرافق الحيوية وإعادة الإعمار ،معلناً استقرار الأوضاع في مناطق واسعة ..مبيناً أن عودة المواطنين إلى ديارهم اختيار طوعي ورغبة ذاتية طوعية لمن يرغب في العودة)
سبق تصريحات الفريق البرهان ،حديث لمحمد الفكي سليمان يقول فيه ان: (إنَّ سكان الخرطوم لن يكتب لهم الاستقرار إلا باتفاق سياسي مع الرباعية )وإنَّ عودتهم الكثيفة الآن تتم بتحريض من حكومة (بورتسودان ).
لم أغادر ولاية الخرطوم طوال سنوات الحرب الثلاث إلا لماما ..رأيناها في أشهر الحرب الأولى وهي ترزح تماماً تحت سيطرة التمرد ..ورأيناها تقاوم بروح باسلة كأنّما تستمد من أساطير ،وهي ترفع قوائم شهدائها.
الذاكرة حية بمشاهد الصمود في القيادة ،والمدرعات ،واليرموك ،والاحتياطي المركزي ،والإشارة والمهندسين ،ونقلنا قصص الحصار والقتال على بطون خاوية ..ولا أنسى يوم صعد عدد من قادة جيشها شهداء في حلفاية الملوك ، وشهدنا يوم العبور العظيم من ام درمان عبر الجسور الثلاثة إلى الخرطوم و الخرطوم بحري ،وشهدنا أمثولات الصبر في المرافق المدنية وخاصة الطبية مثل مستشفى النَّو بأم درمان لمواجهة استهداف المدنيين، وراقبنا استعادتها لحظة بلحظة حين أحاطت بها جحافل التحرير زاحفة بثبات من شمالها وشرقها وجنوبها حتى تلاحمت في القلب منها ،في القصر الجمهوري . ومَنْ مِن الناس لم يشاهد فلول التمرد تتزاحم هرباً عند جسر جبل أولياء تحت جنح الدُجى ، ،هذه الصورة التي لن يستطيع الزمان محوها وقد استقرت في أعماق الذاكرة الوطنية .
ورفعنا كل حجر من ركام الخرطوم تحته قصة من التدمير الممنهج الحقود ..
ونحن بها اليوم حين دعا الرئيس البرهان سكانها إلى العودة ،وخوض معركة التعمير ..هذه الدعوة لم تأت من فراغ فمن ضيق خزانتها أعادت ما يسميها محمد الفكي سليمان (حكومة بورتسودان )أعادت الخرطوم إلى الحياة من تحت الرماد والأنقاض .
طُفتُ أحياء الخرطوم بعد استعادتها من التمرد ،ولاحظت شيئاً غريباً وهو أن ما يهدم العمران ليس فقط قنابل المليشيا وانقضاض مسيراتها ،بل ايضاً الهجران ،والهجران غياب الساكنين الذي يحيل القصور إلى كهوف أكل الزمن نضارتها ،فالأحياء التي تعاني الهجران بتأخر عودة ساكنيها تسكنها الكآبة ،ويطلي جدرانها الحزن .. وإن كانت قصوراً زاهية منذ سنوات قليلة..بتطوافي في الخرطوم تجلت لي المعاني بين البيت المعمور والبيت المهجور ..
والحقيقة التي لا يتغافل عنها إلا جاحد ،أنَّ جهد الحكومة في إعادة الخرطوم سيرتها الأولى ليس خارقاً فقط ،بل أكبر من طاقة أية حكومة في الظرف الذي تعيشه البلاد اليوم ،فقد أخذت اللجنة العليا لتهيئة الخرطوم لعودة أهلها ،أخذت مسؤوليتها بجدارة فائقة ،وباستحقاق هائل، تفجرت قدرات الفريق إبراهيم جابر وجديته مع مثابرة الوالي أحمد عثمان حمزة ،ومرابطة وزير الداخلية الفريق شرطة بابكر سمرة وقادة الشرطة ..فجعلت ما كان مستحيلاً ممكناً اليوم ،فإن كان الدمار قد عاد بالخرطوم عقوداً إلى الوراء ،فإنَّ الذي صنعه هؤلاء هو وضع العاصمة على سكة اعادة العمران،وإن استحال اعادة العمران بغير سكان فانَّ الخرطوم قد تهيأت ليعانق الناس بيوتهم من جديد بعد حرمان ..
دعوة الرئيس البرهان أهل الخرطوم للعودة والعمران لم تكن رداً على ساسة انحسر خيالهم ،وتعسر طريق عودتهم إلا بتدخل الرباعية لإتفاق سياسي في شأنٍ ليس له علاقة بالسياسة..أن يعود الناس إلى بيوتهم أصبح عند هؤلاء موضوع لانقاذ (التجارة السياسية البائرة) ،ولم يجدوا غير حرمان الناس من حق العودة مَرْكَباً للعودة للسلطة ..
ما كان البرهان داعيةً إلى تهلكة ،بل إلى عافية وعيش كريم ، فقد تحمَّل وزملاؤه أزمان التهلكة، وانطفأت الجمرة التي اصطبر على حملها في كفه سنوات ..فإن كان محترفي السياسة الذين تحتضنهم وتتكفل بهم الدولة التي ترعى الحرب ،في بحبوحة عيش فانَّ اللاجئين ضاقت بهم المهاجر ،وتهيأت دورهم لاستقبالهم .
البرهان في دعوته اليوم يعتلي مزاجاً أدائياً جيداً ،فبعد ما جرى باليمن تبين الإقليمُ والعالم ما كان يجأر به من خطر التآمر لتمزيق الأوطان .
الخرطوم اليوم أكثر أمناً من كثير من الدول التي تحتضن شتاتنا ..
العاصمة الخرطوم روح بلادنا ،ولن تعود الحياة للسودان إلا بعودة الروح ،ومهما تفرقت جغرافية الشتات واتسعت فإنَّ الحرب علمتنا ألا مكان يعدل الوطن ،أو يكون بديله .. وكما تتناقل وسائط الإعلام، فإنّ بلاد الشتات ضاقت ذرعاً بالسودانيين ،وقد أُهدِرت كرامتهم ، وجُرَّت أنوفهم بالطرقات . وهنا اتسعت أحضان بلادهم لاستقبالهم ،وارتفع صوتها بنداء العودة واستئناف عمران الحياة .

تعليق واحد

اترك رد

error: Content is protected !!