
كثيرًا ما سمعنا منذ ١٥ أبريل ٢٠٢٣م هذا السؤال يتردّد في المجالس والبيوت والطرقات: من أشعل الحرب؟ وكثيرًا ما تكرّرت الإجابات متباينة، بين من يُلبسها ثوب السياسة، ومن يلفّها بغبار الشائعات، ومن يحاول أن يجعل الضحية جلّادًا والجلّاد ضحية. غير أنّ المُتأمّل الفَطِن، الذي يقرأ الوقائع قبل الشعارات، ويزن الأحداث بميزان العقل لا العاطفة، يدرك كيف بدأت الحكاية ولماذا اندلعت، فالأمر ليس لغزًا معقّدًا ولا معادلة عصيّة على الفهم، بل هو من المسلّمات التي يعرفها حتى طفل في مقاعد الابتدائية.
فمن المعروف تاريخًا وتجربةً أنّ السيطرة على العاصمة في أيّ بلد تعني السيطرة على الدولة كلّها. هذه قاعدة ثابتة في علم الانقلابات والصراعات على السلطة، لا تحتاج إلى تنظير طويل. لم نسمع يومًا أنّ تغييرًا سياسيًا حقيقيًا بدأ من عطبرة أو الأبيض أو الفاشر أو بورتسودان ثم انتقل إلى الخرطوم. كلّ التحوّلات الكبرى تبدأ من القلب، من العاصمة، من حيث السيادة والقيادة ومفاصل الدولة. وما عدا ذلك يُسمّى تمرّدًا أو فوضى، لا استيلاءً على الحكم.
لذلك، عندما رأينا الحشود العسكرية تتكدّس داخل الخرطوم، والمعسكرات تمتلئ حتى فاضت، والقوّات تنتشر في المدينة الرياضية وأرض المعسكرات وسوبا وغيرها، لم يكن الأمر تدريبًا عابرًا ولا استعراضًا للقوّة. كان استعدادًا مكشوفًا لشيء أكبر. فالذي يُعِدّ العدّة ويجمع السلاح ويستقدم الرجال لا يكون في نزهة، بل في طريقه إلى معركة خطّط لها طويلًا. وكما يقول المثل: “الفي قلبو نار ببان دخانو”.
وكثيرون يردّدون أنّ المليشيا هوجمت في المدينة الرياضية. وهنا يفرض المنطق سؤاله البسيط: ماذا تفعل قوّة مسلّحة في منشأة رياضية أصلًا؟ هل جاءت لتشجيع فريق في الدوري الممتاز؟ أم لإقامة مباراة ودّية؟ المدينة الرياضية مكان للشباب والرياضة، لا للدبابات والمدافع. وجود السلاح هناك وحده إجابة كافية، فالبارود لا يُحمل إلا لغاية، ومن وضعه وسط الأحياء السكنية هو من اختار إشعال الشرارة.
والأمر نفسه يتكرّر في مروي داخل القاعدة الجوية. ما علاقة قوّة شبه عسكرية بقاعدة للطيران الحربي؟ هل هم طيّارون؟ أم مهندسو طائرات؟ أم أنّهم في رحلة استجمام؟ القواعد الجوية مفاصل سيادة، ومن يقترب منها بلا صفة رسمية إنما يقترب بنيّة السيطرة. وكما يقول أهلنا: “الداير السُّمعة ما يمشي مواضع التُّهمة”.
ثم جاءت محاولة اقتحام مقرّ سكن القائد العام للقوّات المسلّحة. وهنا يسقط آخر قناع. فهل تُدار السياسة بفتح “نفاج” بين البيوت؟ وهل تُحلّ الخلافات بهدم الجدران واقتحام المساكن؟ من أراد الحوار يطرق الباب، ومن أراد الانقلاب يكسر الحائط. والفرق بين الطريقتين كالفرق بين من يطلب القهوة ومن يشهر السلاح.
كلّها شواهد واضحة لا تحتاج إلى لجان تحقيق ولا تقارير مطوّلة. الوقائع تتحدّث بصوت أعلى من الخطب، ومن يتجاهلها إنما يغمض عينيه عن الشمس في وضح النهار.
الحقيقة التي يحاول البعض القفز فوقها أنّ تلك المليشيا لم تكن تريد حربًا بالمعنى التقليدي، بل كانت تريد استعمارًا من الداخل؛ هيمنة سياسية وعسكرية واقتصادية، وتغييرًا ديمغرافيًا يلبس عباءة الديمقراطية زورًا. تمدّدت في قطاعات الاقتصاد، ومدّت أذرعها في الأسواق والذهب والموانئ والتجارة، وظنّت أنّ الدولة يمكن أن تُختطف كما تُختطف قافلة في الصحراء. لكن الدولة ليست غنيمة، والوطن ليس دكانًا.
وقد وقعوا في وهمٍ كبير، إذ ظنّوا أنّهم يستطيعون تقليد دور القوّات المسلّحة عندما تنحاز للشعب في لحظات التحوّل التاريخي. نسوا أنّ الجيش ابن هذا الشعب، منه خرج وإليه يعود، وأنّ الانحياز للوطن لا يكون بالنهب ولا بالترهيب ولا بفرض الأمر الواقع، بل بالانضباط والعقيدة الوطنية. فبين المؤسّسة الوطنية والجماعة المسلّحة فرقٌ كالفرق بين من يحرس البيت ومن يسطو عليه.
ولذلك رأينا مشهدًا بليغًا بعد اندلاع الحرب: المواطن البسيط يتبع جيشه حيثما تحرّك، يخرج معه حين يعيد الانتشار، ويعود معه عند التحرير. هذه ليست دعاية، بل ثقة متجذّرة بين شعبٍ كريم أصيل وجيشٍ منه وفيه. فالناس تنحاز لمن يحميها ويصون كرامتها لا لمن يروّعها، وتقف مع من يحفظ الأرض والعِرض، لأن العلاقة بين الجيش والشعب في السودان علاقة انتماء ومصير مشترك، لا قهر ولا خوف.
أما من ظنّ أنّ بإمكانه إدارة دولة بالبندقية وحدها فقد خاب ظنّه. فإدارة الدولة علمٌ ومؤسّسات وكوادر وتأهيل وخبرة، وليست صرخة في الميدان ولا موكب سيارات مدجّجة. الدولة عقل قبل أن تكون عضلًا. ومن تربّى على النهب لا يُتقن البناء، ومن اعتاد السلب لا يعرف معنى الخدمة العامة. وكما يقول المثل الشعبي الصادق: “ده شِعر ما عندكم ليهو رقبة”، فالأمر أكبر من طاقتهم، وأثقل من قدرتهم، لأن بناء الأوطان مسؤولية رجال دولة لا عصابات.
فكيف لمن ينهب البيوت أن يبني مؤسّسات؟ وكيف لمن يروّع الأطفال أن يؤسّس مستقبلًا؟ وكيف لمن يقتل ويغتصب أن يحدّث الناس عن الديمقراطية؟ الديمقراطية أخلاق قبل أن تكون صناديق اقتراع، وسلوك قبل أن تكون شعارات.
وأيّ سوداني بسيط، مهما كان موقعه، يعرف في قرارة نفسه من بدأ الحرب. فالمبادرة بالهجوم، ومحاولة السيطرة على المفاصل السيادية، والاستعانة بدعم خارجي وتخطيط الكفيل، كلّها دلائل لا تخطئها العين. وكما يقول المثل: “المحرّش ما بقاتل”، فهناك دائمًا من يشعل النار من بعيد، لكن اليد التي تحمل الوقود هي التي تتحمل المسؤولية كاملة.
وقد كشفت المعركة سريعًا حقيقة الميدان. فعندما جدّ الجدّ، تبيّن ضعف البنية وتهاوي الشعارات، وانهارت الصفوف تحت ضربات الجيش وصمود الشعب. فالجندي الذي يقاتل دفاعًا عن وطنه يقف كالجبل، أمّا المرتزق فيبحث عن أقرب طريق للفرار. العقيدة تصنع الثبات، والمال لا يصنع وطنًا.
ليست هناك روايتان للحقيقة، ولا سرديّتان متقابلتان كما يحاول البعض أن يصوّر. القصة واحدة: السودان تعرّض لهجمة استعمارية جديدة بأدوات محلية، وبمشاركة أطراف إقليمية ودولية، وبمرتزقة من شتّى بقاع الأرض. أرادوا كسر الدولة وتفكيكها وتحويلها إلى كانتونات، لكنهم نسوا أنّ لهذا الشعب جذورًا ضاربة في التاريخ، وأنّ الأمم الحيّة قد تتعثّر لكنها لا تموت.
لقد دفع السودان ثمنًا باهظًا من الدم والدموع، غير أنّ التاريخ علّمنا أنّ الأوطان تُصقل بالمحن. فكلّ أزمة تخرج منها البلاد أصلب عودًا وأشدّ تماسكًا. وعندما تجتمع إرادة الشعب مع جيش وطني صادق تصبح المؤامرات كبيت العنكبوت، ظاهرها كثيف وباطنها أوهن من الوهم.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال ذاته يتردّد، لكن الإجابة لم تعد غامضة. من جمع السلاح في قلب العاصمة، ومن حاول اقتحام القيادة، ومن سعى للسيطرة على القواعد والمفاصل، هو من أشعل الحرب. أمّا الوطن فكان ولا يزال يدافع عن نفسه، يحرس دولته، ويتمسّك بوجوده.
وما بين الحقّ والباطل لحظة صدق، وما بين الدولة والفوضى خطوة وعي. والسودان، رغم الجراح، اختار أن يقف مع دولته، لأن بقاء الدولة أهمّ من أيّ أيديولوجيا، وأغلى من أيّ شعار
فالتاريخ لن يمجد من أشعل بل عن من حمي أهله وشعبة أخمد الحرب ، وضحي بروحه وماله من اجل جلب السلم والسلام.
وما النصر إلا صبر ساعة، وفتحٌ ونصرٌ قريب بإذن الله.



