
خلال اليومين السابقين، قامت مليشيا الدعم السريع باستهداف قافلة مساعدات إنسانية ومرفق صحي خدمي و شاحنة تحمل نازحين في إقليم كردفان مما خلف عدد مقدر من الضحايا بين قتيل و جريح، هذا الحدث الذي فجّر موجة الإدانات المحلية والإقليمية والدولية الأخيرة، لم يكن واقعةً استثنائية أو انزلاقًا عارضًا في مسار حرب معقّدة، بل جاء بوصفه حلقة جديدة في سلسلة طويلة من السلوك المنهجي الذي لازم مليشيا الدعم السريع منذ نشأتها الأولى، وكشف مرةً أخرى سقوط الأقنعة التي طالما حاولت الاحتماء بها، وأكدت تآكل أي ادعاء أخلاقي أو سياسي.
فالحديث المتوالي و المستمر عن “حادثة قيد التحقيق” أو “ادعاءات تحتاج إلى التثبت” كما يرد في معظم بيانات الانكار و التصريحات الاعلامية المصاحبة؛ لا يصمد كثيرًا أمام سجلٍ ممتد من الأفعال و الأحداث التي طبعها العنف المنفلت، والقتل خارج القانون، والنهب المنظم، وترويع المدنيين، وانتهاك الحقوق الأساسية للإنسان، في غيابٍ كامل لأي التزام بقواعد الحرب أو الأعراف الإنسانية أو حتى منطق الدولة، بعد أن زالت مساحيق التجميل التي حاولت بها المليشيا تزييف صورتها أمام الداخل والخارج.
لقد عرفت هذه المليشيا، منذ تأسيسها، بنمط سلوك ثابت لا يتغير وهو أنه وكلما ارتُكبت جريمة كبرى وأثارت الرأي العام داخليًا أو خارجيًا، سارعت قيادة المليشيا إلى إصدار بيان إنكار أو تبرؤ، يتبعه إعلان عن “فتح تحقيق”، أو تشكيل لجنة، أو التعهد بالمحاسبة، في مشهد متكرر يعكس فراغًا أخلاقيًا متراكمًا أكثر مما يعكس رغبة حقيقية في العدالة.
غير أن هذا المسار لم يُفضِ يومًا إلى نتائج حقيقية، فلا تقارير معلنة، لا أحكام قضائية،
ولا مساءلة فعلية. بل على العكس، فكثيرًا ما انتهى الأمر بإطلاق سراح الجناة، أو إعادتهم إلى الميدان، وكأن الجرائم لم تقع أصلًا، او اضاعوا القضية و الحدث بتقادم الزمن وانصراف المجتمع لحدثٍ سواه، في تعبير صارخ عن تآكل الأخلاق السياسية والإنسانية لدى هذا الكيان.
إن هذا السلوك المتكرر لا يمكن تفسيره بوصفه قصورًا إداريًا أو ضعفًا مؤسسيًا، بل هو تعبير صريح عن طبيعة المليشيا ذاتها ككيان قائم على الفوضى، لا يعرف الانضباط، ولا يعترف بالقانون، ولا يؤمن بالمحاسبة. مؤسسة للخراب والدمار، لا للحماية أو الأمن، مهما حاولت البيانات تلميع صورتها وستر عورتها البائنة لكل ذي بال، بعد أن سقط القناع بالكامل وباتت الحقيقة عارية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل جرائم المليشيا عن الغطاء السياسي الذي توفره لها ما تُسمّى بـ “حكومة تأسيس”. فبدلًا من إبداء الحد الأدنى من الحياء السياسي أو الأخلاقي، اختارت هذه الجهة لعب دور المدافع والمبرّر كدور ٍتكامليٍ وتبادليٍ، مستخدمة خطابًا إنكاريًا فجًا، يستخف بعقول السودانيين، ويتجاهل حجم المأساة الإنسانية على الأرض. لقد تحولت بياناتها أي “تأسيس” إلى مظلة سياسية لانتهاكات موثقة، لا إلى موقف مسؤول يحمي المدنيين أو يحترم القانون الدولي الإنساني، في مشهد يؤكد أن الأقنعة لم تسقط عن المليشيا وحدها، بل عن غطائها السياسي أيضًا.
ولا يتوقف نطاق المسؤولية القانونية عند المليشيا وغطائها السياسي المحلي، بل يمتد، وفق مبادئ القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، ليشمل الأطراف الإقليمية التي قدّمت أو ما زالت تقدّم الدعم بالسلاح أو التمويل أو التدريب أو الإسناد اللوجستي، أو سهّلت استقدام المرتزقة. فوفق قواعد المسؤولية عن الأفعال غير المشروعة دوليًا، ولا سيما مبدأ “الإعانة أو التحريض على ارتكاب الجريمة” (Aiding and Abetting)، فإن كل طرف يقدّم دعمًا جوهريًا مع علمه أو افتراض علمه بطبيعة الأفعال المرتكبة، يُعد شريكًا في المسؤولية. إن استهداف القوافل الإنسانية والمرافق الصحية لا يُنسب فقط إلى المنفذ المباشر، بل يورّط، قانونيًا وأخلاقيًا، كل من أسهم في تمكينه من السلاح أو المال أو الرجال، ويضعهم في دائرة المساءلة الدولية بوصفهم أطرافًا ساهمت في إطالة النزاع وارتكاب جرائم جسيمة ضد المدنيين.
والحقيقة التي لم يعد بالإمكان القفز فوقها أو تمييعها، أن جرائم مليشيا الدعم السريع لم تعد بحاجة إلى مزيد من الأدلة. فالتوثيق في جزء كبير منه صادر من عناصر المليشيا أنفسهم، عبر تسجيلات ومقاطع منشورة بلا مواربة،
وشهادات الضحايا والشهود باتت متواترة في كل الأقاليم، أما الدمار والخراب والنزوح والمقابر، فهي شواهد مادية لا تحتاج إلى مترجم، بعد أن انكشفت الحقيقة كاملة بلا رتوش ولا مساحيق.
إن من يقتل ثم ينكر، ومن ينتهك ثم يشكّل لجنة،
ومن ينهب ثم يدعو إلى تحقيق، لا يسعى إلى الحقيقة ولا العدالة، بل يراهن على تعب الناس، وعلى تآكل الذاكرة، وعلى أن يطغى الضجيج الإعلامي على الجريمة.
غير أن ما يميّز هذه المرحلة، أن الذاكرة السودانية لم تعد قابلة للمحو، والجرائم باتت موثقة بالصوت والصورة، والإدانات الدولية لم تعد مجاملات دبلوماسية، بل تحولت إلى شهادات إدانة سياسية وأخلاقية، بعد سقوط الأقنعة وانهيار الخطاب الزائف.
إن استهداف العمل الإنساني والمرافق الصحية ليس فقط جريمة حرب وفق القانون الدولي، بل إعلان إفلاس أخلاقي كامل، وسقوط نهائي لأي ادعاء بتمثيل قضية أو مشروع أو مستقبل.
وكل محاولة للالتفاف على هذه الحقيقة، بالبيانات أو اللجان أو المناورات السياسية، لن تغيّر من الواقع شيئًا، سوى تعميق العزلة، وتسريع السقوط والذي هو آتٍ لا محالة بعد أن تآكلت الأخلاق، وسقطت الأقنعة، وزالت مساحيق التجميل إلى غير رجعة.
الاحد 8 فبراير 2026م



