الرواية الأولى

نروي لتعرف

خلاصة الأمر !! / الواثق كمير

مستقبل السودان : من “حروب الرؤى” إلى رؤية وطنية مشتركة – ورقة جرد حساب سياسي!

د. الواثق كمير

kameir@yahoo.com
تورونتو، 22 يناير 2026

مقدمة

لم يكن السودان، منذ الاستقلال، دولة بلا رؤى، بل دولة أنهكتها صراعاتالرؤى. فقد ظل الخلاف حول طبيعة الدولة ونظام الحكم، وهوية السلطة، وشكل العلاقة بين المركز والأطراف، والعلاقة بين الدين والدولة، حاضراً فيصميم التجربة السياسية السودانية. ولم تنجح التسويات الكبرى التي سعتإلى التوفيق بين رؤى متناقضة في بناء دولة مستقرة، بل انتهى بعضها، كمافي تجربة نيفاشا، إلى تقسيم البلاد بدل توحيدها.

اليوم، وفي ظل حرب مدمرة تهدد وجود الدولة نفسها، يعود سؤال الرؤيةالمشتركة بصورة أكثر إلحاحاً: كيف يمكن إنهاء الحرب في ظل هذاالانقسام الحاد، وبأي أساس يمكن بناء توافق وطنيحقيقي؟ بمعنى آخر: كيف يمكن الانتقال من صراع الرؤى إلىبلورة رؤية وطنية مشتركة؟

مع استمرار الحرب، تذهب هذه الورقة إلى أن التحدي الرئيس لا يكمُن فقطفي وقف القتال، بل في تفكيك جملة من الخلافات السياسيةالعميقة التي تعيق أي جهد جاد لإنهاء الحرب، وتمنع القوى السياسيةوالمجتمعية من الاتفاق على حد أدنى من الرؤية المشتركة. فالأزمة الراهنة، في هذا السياق، ليست أزمة أفكار أو مبادئ عامة، ولا تكمن فقط في غيابالمبادرات أو تعدد الرؤى، بقدر ما هي أزمة انقسام حول قضايا محددةوملموسة أفرزتها الحرب نفسها.

وتأتي هذه الورقة، في هذا السياق، بوصفها محاولةً جرد حساب” سياسي للتطورات التي أعقبت اندلاع الحرب، وخلاصةً لما راكمته منكتاباتٍ سابقة، ومتابعةٍ يومية للنقاش العام، وتواصلٍ مباشر مع قياداتسياسية ومدنية من اتجاهات فكرية وسياسية متباينة. وهي لا تدّعي تقديمرؤية مكتملة بقدر ما تسعى إلى تسمية الخلافات الحقيقية التيينقسم حولها المجتمع السياسي السوداني اليوم، كما هي، دونمواربة أو تلطيف.

نحو رؤية سودانية مشتركة:

الخلاف حول القضايا الكبرى

ورغم أن جذور «صراع الرؤى» في السودان تعود، في جوهرها، إلى قضايا تأسيسية عميقة ومؤجَّلة منذ الاستقلال—مثل طبيعة الدولة، ومصاد رالشرعية، والعلاقة بين المدني والعسكري، وحدود السلطة المركزية، ومفهوم المواطنة—فإن هذه الورقة لا تتناول تلك القضايا في مستواها النظري أوالدستوري المباشر.

بل تنطلق من فرضية مفادها أن هذه القضايا التأسيسية، التي لم يُحسمأمرها تاريخياً، قد أعادت إنتاج نفسها في سياق حرب أبريل فيصورة خلافات سياسية ملموسة ومحددة حول قضايا بعينها. وتمثلهذه القضايا، بوصفها تمظهرات راهنة لصراع الرؤى الأعمق، العائقالعملي المباشر أمام إنهاء الحرب والتوصل إلى رؤية وطنية مشتركة. ومنهذا المنظور، فإن معالجة القضايا الخمس لا تُغني عن النقاش التأسيسيالأوسع، لكنها تمثل مدخلاً ضرورياً وملحّاً لتفكيك الانقسام الراهن، وتهيئةالأرضية لأي مسار وطني توافقي مستقبلي.

تركّز الورقة على خمس قضايا رئيسة أرى أنها تُشكل اليوم جوهر الخلافالسياسي، وتمثل العقبة الأكبر أمام إنهاء الحرب والانتقال نحو مسار وطنيتوافقي. وهذه القضايا لا تنفصل عن الأسئلة الدستورية والتأسيسية العميقةللدولة – وهي قضايا مؤجلة منذ الاستقلال – لكنها تتصلمباشرة بالانقسامات الراهنة حول كيفية فهم الحرب، وإدارتها، والخروج منها.

وطالما ظلت القوى السياسية والمجتمعية منقسمة حول هذه القضايا الخمس، فإن الحديث عن رؤية وطنية مشتركة سيظل هشاً ومهدداً بالانهيار عند أولاختبار عملي. وتتمحور هذه القضايا حول:

1. قوات الدعم السريع

2. القوات المسلحة السودانية

3. قيادة القوات المسلحة

4. دور الإسلاميين

5. دور الفاعلين الإقليميين والدوليين

وقد تناولتُ، في مقالات متفرقة وتغريدات سابقة، هذه الإشكالات التيأفرزتها الحرب، سواء بصورة مباشرة أو ضمن نقاشات أوسع حول مسارالانتقال وأزمة الدولة السودانية. ومع مرور الوقت، وتعقّد المشهد، بدا لي أنجوهر الخلاف بين القوى السياسية والمجتمعية يتكثّف أكثر فأكثر حول هذهالقضايا نفسها، بما يؤكد أن التعامل الجاد معها لم يعد ترفاً فكرياً، بلشرطاً ضرورياً لأي حديث واقعي عن إنهاء الحرب وبناء مسار وطنيتوافقي.

وترتبط هذه القضايا ارتباطاً وثيقاً بالخلاف الأوسع حول طبيعةحرب أبريل وأسبابها الحقيقيةالخلاف الجوهريكيف نفهمحرب أبريل؟

منطلقات هذه المقاربة

تنطلق هذه الورقة من هذا الفهم، وتهدف إلى تفكيك طبيعةالخلافات المحيطة بالقضايا الخمس موضع الجدل، لا بغرضترجيح موقف سياسي بعينه، وإنما للإسهام في توضيح نقاطالتباين الحقيقية التي تعيق التوصل إلى رؤية وطنية مشتركة. ففتح نقاش صريح ومنهجي حول هذه القضايا يظل، فيتقديري، مدخلاً لا غنى عنه لإنهاء الحرب، والشروع في إعادةبناء الدولة على أسس أكثر استقراراً وتوافقاً.

ولا تستند هذه المقاربة إلى تأملات نظرية مجردة، بل إلى خبرة عمليةومشاورات موسّعة مع طيف متنوع من الفاعلين السياسيين والمجتمعيين. ففي النصف الثاني من عام 2023، شاركتُ مع مجموعة من عشرشخصيات سودانية عامة، مستقلة سياسياً، في حوار معمّق أفضى إلىإعداد مسودة بعنوان: «سودان ما بعد الحربرؤية وخطة عمل)، لمتُنشر بعد.

ومع توسيع دائرة النقاش حول هذه المسودة، وإشراك عدد أكبر من القياداتالسياسية وأصحاب الرأي من اتجاهات فكرية وسياسية مختلفة، برزتخلاصة محورية مفادها أن أي حديث جاد عن إنهاء الحرب أو بلورة رؤيةوطنية مشتركة يظل منقوصاً ما لم تُواجه القضايا الخمس محل الخلافمواجهة مباشرة وصريحة، بدلاً من الالتفاف حولها أو ترحيلها إلى مراحللاحقة. وقد دفعتني هذه القناعة إلى نشر ملخص للرؤية تحتعنوان «ملامح من رؤية سودان ما بعد الحرب» في محاولة لإثراءالنقاش العام حول هذه الإشكالات (الواثق كمير، سودان ما بعد الحربملامح من رؤية!”، سودانايل، 10 ديسمبر 2023).

وتعزز هذا الاستنتاج أيضاً من خلال الاطلاع على، والمشاركة في تحليل، عدد كبير من المبادرات السياسية والمدنية التي طُرحت منذ اندلاع الحرب(موسى عبد الجليل والواثق كمير، المبادرات المدنية السودانية لإنهاء الحربتحليل وتوليف“، المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية – IDEA، ديسمبر 2023).

كما أُتيحت لي فرصة خدمة هذا الجهد من موقع عملي، حين شاركت كأحد”المُيسّرين” في مؤتمر القاهرة للقوى المدنية والسياسية في 6 يوليو2024. فعلى الرغم من قبول أطراف مُتنازعة بالحضور تحت سقف واحد، فإنها لم تستطع التوافق حتى على مسودة بيان مُشترك حول وقف إطلاقالنار أو المساعدات الإنسانية أو مسار العملية السياسية، بل إن بعضها لميجلس حول طاولة واحدة لمناقشة القضايا المُدرجة في جدول الأعمال. وكانذلك مثالاً حياً على عمق الانقسام، وحدود ما يمكن أن تحققه اللقاءات ما لمتُمسَّ جوهر الخلافات بعينٍ مباشرة.

فرغم ما بين هذه المبادرات من تقاطعات واضحة على مستوى الشعاراتالعامة والأهداف المُعلنة، فإن الفوارق الجوهرية بينها تكشف عن انقساماتسياسية عميقة لم تُعالج بعد. وقد أظهرت التجربة أن كثرة الاجتماعاتوالورش، في حد ذاتها، لم تُفضِ إلى توافقات حقيقية حول جذور الأزمة أوشروط معالجتها (مؤتمر منتدى أيوا العاشر، أبريل 2025).

كذلك، تؤكد هذه الخبرة أن الاكتفاء بالوثائق المكتوبة والبيانات الرسمية لايكفي لتجاوز الخلافات البنيوية. فحتى في الحالات التي اجتمعت فيها قوىسياسية متنازعة تحت سقف واحد، غالباً ما تعذّر الوصول إلى الحد الأدنىمن التوافق، بل فشل بعضها في الجلوس حول طاولة واحدة لمناقشة القضاياالجوهرية بصورة مباشرة ومسؤولة. وهو ما يعكس عمق الأزمة، ويؤكدالحاجة إلى مقاربة أكثر صراحة وشجاعة في التعامل مع أسباب الانقسام.

الخلاف الجوهريكيف نفهم حرب أبريل؟

تعود الانقسامات الحادة حول القضايا الخمس المشار إليها أعلاه إلى تباينٍ عميق في تفسير طبيعة حرب أبريل 2023 وأسباب اندلاعها. فقد كشفتالمواجهة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع عن تصدعات بنيوية داخلالمجتمع السوداني، تعكس رؤى متناقضة حول الدولة، والسلطة، ومستقبلالانتقال السياسي.

فمن جهة، يفسر بعض الفاعلين الحرب بوصفها صراعاً شخصياً علىالسلطة بين قائدي الجيش والدعم السريع (حرب الجنرالين)، ناجماً عنخلافات متراكمة حول دمج القوات، وتراتبية القيادة، والسيطرة على مفاصلالقرار العسكري. وغالباً ما تُستكمل هذه السردية بتحميل الإسلاميين وفلولالنظام السابق إشعال الحرب سعياً لاستعادة السلطة، في خطاب يتمحورحول سؤال: “من أطلق الرصاصة الأولى؟”.

في المقابل، يرى فريق آخر أن الحرب تمثل انهياراً لمسار الانتقالالديمقراطي الهش، حيث تفجّرت التناقضات بين القوى المدنية والمؤسسةالعسكرية، فجاءت الحرب كنتيجة مباشرة لتحالف الجيش مع الحركةالإسلامية بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، بهدف تصفية مكتسبات ثورةديسمبر، وإجهاض أي إمكانية لانتقال مدني ديمقراطي. ووفق هذا التصور، فإن الحرب ليست حدثاً معزولاً، بل امتدادٌ لصراعٍ سياسي أعمق حولطبيعة الدولة ومن يتحكم في مسارها.

وتطرح سردية ثالثة أن الحرب كانت نتيجة محاولة انقلاب فاشلة قادتها قواتالدعم السريع في 15 أبريل 2023، سعت من خلالها للسيطرة على الدولةعبر القوة العسكرية، بما في ذلك محاولة اعتقال أو تصفية القيادة العامةللجيش، بدعمٍ إقليمي ودولي ضمني. وهذا ما وثقته تقارير صادرة عن مراكزبحثية ومؤسسات سياسات أشارت إلى وجود مصالح خارجية ربطت الحرببصراعات النفوذ الإقليمي وإعادة تشكيل التوازنات السياسية والعسكريةفي السودان.

وفي السياق نفسه، يذهب اتجاه آخر إلى توصيف الحرب بوصفها حرباً بالوكالة، أو حتى “حرب عدوان”، تُدار عبر قوات محلية لتحقيق أجنداتإقليمية أوسع، ويذهب أنصار هذا الرأي إلى تحميل دولة الإمارات العربيةالمتحدة مسؤولية مركزية في دعم قوات الدعم السريع، باعتبار ذلك جزءاً منمشروع إقليمي لإعادة تشكيل السودان سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ضمن ترتيبات إقليمية أوسع. بينما، هناك من يرى كذلك دوراً لقوى إقليميةأخرى في مقابل دور الإمارات، والإشارة موجهة إلى مصر على وجهالتحديد.

في المقابل، تتبنى غالبية القوى السياسية المدنية، لا سيما تلك التي شاركتفي الحكم خلال الفترة الانتقالية عقب ثورة ديسمبر، سردية مختلفة جذرياً في تعريف طبيعة الحرب. فوفق هذا التصور، لا تُفهم الحرب بوصفهامواجهة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بقدر ما تُقرأ باعتبارهاصراعاً بين قوات الدعم السريع والحركة الإسلامية، التي يُنظر إليها علىأنها تهيمن، بدرجات متفاوتة ومتنوعة، على قيادة الجيش ومفاصل قرارهالسياسي والعسكري.

ويستند هذا الطرح إلى اعتبار أن المؤسسة العسكرية، بعد انقلاب 25 أكتوبر، فقدت حيادها المؤسسي، وأصبحت – في نظر هذه القوى – جزءاً من مشروع لإعادة تمكين الإسلاميين وفلول النظام السابق. ووفق هذهالقراءة، فإن الحرب لم تنشأ عن خلاف مهني أو أمني بحت بين قوتينعسكريتين، بل جاءت في سياق صراع سياسي حول مستقبل الدولة، حيثسعت الحركة الإسلامية، عبر تحالفها مع قيادة الجيش، إلى إعادة فرضسيطرتها على السلطة، في مواجهة قوة عسكرية موازية خرجت عنسيطرتها. وترى هذه السردية أن توصيف الحرب باعتبارها صراعاً “بينالجيش والدعم السريع” يُغفل البعد السياسي البنيوي للصراع، ويُسهم فيإخفاء مسؤولية القوى التي أسهمت في تقويض الانتقال الديمقراطي، وإغلاق أفق الحل السياسي، ودفع البلاد نحو مواجهة مسلحة شاملة.

هذا التعدد في سرديات تفسير الحرب لا يعكس فقط خلافاً أكاديمياً، أواختلافاً في التحليل، بل يعبّر عن انقسام عميق في الرؤى حول طبيعة الدولةالسودانية، ومصادر الشرعية، ودور المؤسسة العسكرية، وحدود التدخلالإقليمي والدولي. وهو انقسام يتقاطع مباشرة مع القضايا الخمس التي ماتزال تشكّل جوهر الخلاف بين القوى السياسية والمجتمعية، ويجعل من بلورةرؤية وطنية مشتركة مهمة شديدة التعقيد ما لم يُفتح حوار جاد وصريح حولهذه الاختلافات. فهذا التباين في تفسير الحرب ينعكس مباشرة علىالمواقف السياسية، وعلى كيفية تصور الحلول الممكنة، مما يُغذي ويُعمقصراع الرؤى.

القضايا الخمس محل الخلاف

1. قوات الدعم السريع: تنقسم القوى السياسية والمجتمعية بحدةحول طبيعة ومستقبل قوات الدعم السريع. فهناك من يرى إمكانيةدمجها في عملية سياسية وعسكرية شاملة، والتعامل معها بوصفهافاعلاً قائماً ينبغي استيعابه عبر تفاوض سياسي-عسكري، على غرارتجارب سابقة مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان، واتفاقية السلامالشامل، بما يُعيد تشكيل بنية السلطة.

في المقابل، يرى اتجاه آخر أن أي تفاوض مع الدعم السريع يجب أنيقتصر حصراً على الترتيبات العسكرية والأمنية، بهدف إنهاء القتال وتفكيكهذه القوات ودمجها في جيش وطني واحد وموحد القيادة، على أن تُفتح بعدوقف إطلاق النار الشامل عملية سياسية تتسم بالشمول لا تمنح الدعمالسريع وضعاً سياسياً مستقراً، بدون إقصاءٍ للداعمين السياسيين له.

وقد عمّق إعلان الدعم السريع عن سلطة موازية تحت مسمى “تأسيس” أو”حكومة السلام والوحدة” حِدة هذا الاستقطاب والانقسام، حيث يراهاالبعض توازناً ضرورياً في مواجهة هيمنة الجيش، بينما يعتبرها آخرونخطوة خطيرة نحو تكريس الانقسام وشرعنة التفكك، وإطالة أمد الحرب.

2. القوات المسلحة السودانية: السودانية خلال المرحلة الانتقالية – أو التأسيسية – المقبلة. فبينما يدعو اتجاه إلى انسحاب الجيش فورتوقف القتال إلى ثكناته، وإبعاده كلياً عن الحياة السياسية، يرىاتجاه آخر أن للقوات المسلحة دوراً انتقالياً مشروعاً لا يمكن تجاوزه، مستندين في ذلك إلى تجارب السودان التاريخية عقب انتفاضاتأكتوبر 1964، وأبريل 1985، وديسمبر 2018.

ويتعقد هذا النقاش في ظل إرث طويل من تدخل الجيش في السياسة، إذيرتبط مسار الانتقال السياسي في السودان ارتباطاً وثيقاً بدور المؤسسةالعسكرية في الحكم. فمنذ الاستقلال، ظلت القوات المسلحة فاعلاً مركزياً في السلطة، غالباً على حساب الحكم المدني الديمقراطي. وقد كرّستالوثيقة الدستورية لعام 2019 صيغة الشراكة المدنية–العسكرية، غير أنانقلاب أكتوبر 2021 وما تلاه من تطورات، بما في ذلك الاتفاق الإطاريلعام 2022، كشفا عن استمرار هيمنة المؤسسة العسكرية على السلطةالتنفيذية. ورغم التعهدات العلنية بالانسحاب من السياسة، ظل القادةالعسكريون يحتفظون بالسيطرة على مفاصل استراتيجية في الدولة، مستندين إلى ما يرونه غياباً للشرعية الانتخابية لدى الفاعلين المدنيين.

فشل الصيغ السابقة للشراكة المدنية-العسكرية يجعل التوافق حول دورالجيش المستقبلي أحد أعقد ملفات الرؤية الوطنية لسودان ما بعد الحرب، خاصة في غياب تصور مشترك لطبيعة العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسةالعسكرية. ويتوقف مستقبل السودان، في جوهره، على التوصل إلى رؤيةمشتركة للحكم تضع السلطة المدنية في موقعها المركزي، وتُحدِّد بوضوح دورالمؤسسة العسكرية ضمن إطار ديمقراطي. ولن يكون بلوغ هذه الرؤية ممكناً دون نقاش جاد ومسؤول بين القوى السياسية والمجتمعية حول الدورالمستقبلي للقوات المسلحة في المرحلة الانتقالية وفي عملية بناء الدولة.

3. قيادة القوات المسلحةيمتد الخلاف حول دور القوات المسلحةليشمل مستقبل قيادتها الحالية، حيث عمّقت الدعوات إلى المحاسبةوالعدالة من حدة الانقسام. فبينما ترى بعض القوى السياسيةوقطاعات من المجتمع أن قيادة الجيش تمثل عامل استقرار نسبي فيظرف استثنائي، تنظر قوى مدنية واسعة، خاصة من الشباب، والنساء، ومنظمات المجتمع المدني، والناشطين، إلى هذه القيادةبوصفها عائقاً أمام التحول الديمقراطي.

وتعكس هذه المواقف المتباينة تراكمات طويلة تتعلق بإدارة الحرب، والعلاقةمع الإسلاميين، وتوسع نفوذ الدعم السريع في السابق، وفشل استعادةالمسار المدني، ما يجعل هذا الموضوع شديد الحساسية والانقسام. ويعكسهذا الانقسام أزمة ثقة عميقة بين قطاعات واسعة من المجتمع والمؤسسةالعسكرية.

فقد أثارت الانتقادات الموجهة إلى قيادة القوات المسلحة، ولا سيما ما يتعلقبعلاقتها المزعومة بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، نقاشاً واسعاً وتفسيرات متباينة. ويُظهر الرأي العام تجاه القائد العام وقيادة الجيش حالةاستقطاب حاد؛ إذ يعبّر بعضهم عن دعم صريح أو قبول متحفظ، في حينيعبّر آخرون عن غضب متزايد، ويطالبون بتغيير القيادة ومساءلتها.

ويعكس هذا الانقسام قضايا بنيوية أعمق، من بينها طريقة إدارة الحرب، ودور الجيش في السياسة، والانتهاكات السابقة، وتوسّع نفوذ قوات الدعمالسريع في مراحل سابقة، وفشل استعادة المسار المدني. وهو ما يكشف عنأزمة ثقة عميقة بين قطاعات واسعة من المجتمع والمؤسسة العسكرية، ويجعلمسألة قيادة الجيش واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً في أينقاش حول مستقبل السودان بعد الحرب.

4. الإسلاميون:
تُعد مسألة دور الإسلاميين في الحياة السياسية من أكثر القضاياتعقيداً وحساسية في المشهد السوداني الراهن، لما تنطوي عليه منتشابك عميق مع تجربة حكم طويلة ومثقلة بالإخفاقات والانتهاكات، ولماتثيره من انقسامات حادة داخل القوى السياسية والمجتمعية. ويمكن، على نحو تحليلي، تصنيف المواقف إزاء هذه المسألة ضمن ثلاثةاتجاهات رئيسية:

i. أنصار الإقصاء الكامل: وهو اتجاه يرى أن أي مشاركةسياسية للإسلاميين—سواء المنتمين للحركة الإسلامية أو حزبالمؤتمر الوطني—غير مقبولة من حيث المبدأ، انطلاقاً منتحميلهم المسؤولية الكاملة عن تجربة الحكم خلال الثلاثين عاماً السابقة وما ترتب عليها من تدمير مؤسسي واقتصاديواجتماعي. ويمتد هذا الموقف ليشمل ما يُعرف بـ«فلول النظامالسابق» دون تمييز بين الأفراد أو درجات المسؤولية، باعتبار أنالتجربة برمتها تُشكّل، في نظر هذا التيار، سبباً كافياً للإقصاءالسياسي الشامل.

ii. أنصار الإدماج المشروطويمثل هذا الاتجاه موقفاً وسطياً نسبياً، إذ يقبل بمشاركة محدودة أو انتقائية لبعض التيارات أوالمجموعات الإسلامية، استناداً إلى مواقف سياسية محددة، مثل إعلان معارضة انقلاب 25 أكتوبر 2021، أو تبني مواقفتُفسَّر باعتبارها داعمة لمسار الانتقال المدني. غير أن هذا القبوليظل مشروطاً ومحصوراً، ولا يمتد إلى مجمل التيار الإسلاميأو رموزه المرتبطة بتجربة الحكم السابقة.

iii. دعاة الحوار الشاملويرى هذا الاتجاه أن أي حوار وطنيجاد لا ينبغي أن يقوم على الإقصاء السياسي المسبق، بل علىمبدأ الشمول، مع قصر المساءلة والاستبعاد على من يثبتتورطهم المباشر في جرائم أو فساد، وذلك عبر آليات العدالةالانتقالية وسيادة القانون، لا من خلال الإدانة الجماعية. ويؤكدهذا التيار أن الإقصاء السياسي الشامل يُعيد إنتاج شروطالصراع ولا يُفضي إلى استقرار مستدام.

وتزداد هذه القضية تعقيداً بسبب التباين في تقدير حجم وطبيعة العلاقة بينالإسلاميين وقيادة القوات المسلحة، ومدى نفوذهم الفعلي داخل المؤسسةالعسكرية ومراكز صنع القرار. فبينما ترى بعض القوى أن هذا النفوذ حاسمومحدد لمسار الحرب والسياسة، ترى قوى أخرى أن الحديث عن «سيطرةكاملة» يُبالغ في توصيف الواقع ويُغفل تعقيدات بنية الدولة العسكرية.

ويقتضي فهم هذا الجدل وضعه في سياقه التاريخي الأوسع. فمنذالاستقلال عام 1956، اتسمت السياسة السودانية بدورات متعاقبة منالإقصاء والإقصاء المضاد، حيث درجت الأنظمة المختلفة على تثبيت سلطتهاعبر تهميش خصومها وتصويرهم كتهديدات وجودية. وقد أسهم هذا النمطفي ترسيخ ثقافة الانتقام السياسي وإضعاف فرص بناء توافقات وطنيةمستقرة. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى الإسلاميين—بوصفهم القوة المهيمنةخلال حكم نظام الإنقاذ (1989–2019)—كأحدث أطراف هذه الدورة، دونأن يعني ذلك بالضرورة وجود توافق حول كيفية التعامل معهم في المرحلةالراهنة.

وتتمحور هذه الإشكالية، في جوهرها، حول سؤالين مُرتبطين:

● من هم الإسلاميون اليوم، وما الذي يُمثلونه فعلياً في المشهد السياسيبعد الحرب؟

● وكيف تنظر إليهم بقية القوى السياسية، وما طبيعة المخاوف أو التوقعاتالمرتبطة بأي دور محتمل لهم؟

وتشير التجربة السودانية إلى أن إدارة هذا الملف بمنطق الإقصاء أو الانتقامتُنذر بإعادة إنتاج الانقسام، بينما يظل التعامل معه عبر مقاربات قانونيةومؤسسية عادلة أحد أكثر المسارات تعقيداً وحساسية، وأحد الاختباراتالكبرى لقدرة القوى السياسية على تجاوز إرث الصراع وبناء نظام سياسيأكثر استقراراً.

5. الفاعلون الإقليميون والدوليونخامساً، لا تزال مسألةدور الفاعلين الإقليميين والدوليين في الحرب السودانية وفي مساراتإنهائها تمثل أحد أكثر محاور الخلاف حدةً وتعقيداً، لتداخلها المباشرمع قضايا السيادة الوطنية، وتوازنات القوة الداخلية، وتشابك المصالحالجيوسياسية في الإقليم.

فمن جهة، يرى اتجاه داخل القوى السياسية والمجتمعية السودانية أنالانخراط الإقليمي والدولي بات ضرورة واقعية لا يمكن تجاوزها، في ظلعمق الانقسامات الداخلية وعجز الأطراف المحلية عن التوصل إلى وقفمستدام للحرب أو إطلاق عملية سياسية تتسِم بالشمول. ويستند هذا الموقفإلى الاعتقاد بأن الضغوط الدبلوماسية، والوساطات الدولية، والدعمالإنساني، يمكن أن تسهم في فرض وقف إطلاق النار، وتيسير التفاوض، وتوفير ضمانات للعملية السياسية والدستورية في مرحلة ما بعد الحرب.

في المقابل, يتبنى اتجاه آخر موقفاً شديد التحفظ إزاء أي دور خارجي، انطلاقاً من قراءة تعتبر أن بعض القوى الإقليمية والدولية لم تكن وسيطاً محايداً، بل طرفاً مؤثراً في تأجيج الصراع، عبر دعم أطراف متنازعة أوالسعي لتحقيق مصالح استراتيجية خاصة. ووفق هذا المنظور، يُنظر إلىالتدخل الخارجي بوصفه عاملاً يُعمّق الانقسام ويُطيل أمد الحرب، بدلاً منالإسهام في حلها.

ويتفاقم هذا الانقسام في ظل تعدد المبادرات والمسارات الدولية، التي تقودهاجهات مختلفة مثل الإيقاد، والاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، والولاياتالمتحدة، وغيرها، دون تنسيق كافٍ أو رؤية موحدة. وقد أسهم تداخل الأدواروتباين الأولويات في إرباك المشهد، وإضعاف ثقة كثير من السودانيين فيفعالية هذه المسارات ومصداقيتها.

في هذا السياق، يبرز تحدٍ تحليلي مركزي يتمثل في كيفية موازنة الحاجةإلى دعم إقليمي ودولي لإنهاء الحرب، مع الحفاظ على الملكية السودانيةللعملية السياسية. وهو تحدٍ لا يمكن معالجته عبر شعارات مطلقة—لا فياتجاه رفض الخارج ولا في اتجاه التعويل الكامل عليه—بل عبر نقاشوطني صريح حول حدود هذا الدور، ومعاييره، وآليات مساءلته. ويشمل هذاالنقاش، على سبيل المثال: تحديد سقف التدخل الإقليمي والدولي المقبول، والاتفاق على معايير واضحة لتوصيف الوسطاء الموثوقين، وضمان بقاءالفاعلين السودانيين في موقع القيادة وصنع القرار داخل أي مسار سياسيأو تفاوضي.

وفي المحصلة، لا يتمثل الخلاف حول الدور الخارجي في كونه مسألة تقنيةأو إجرائية، بل في كونه انعكاساً لاختلاف أعمق حول مفهوم السيادة، وطبيعة الحل السياسي، وموقع السودان في الإقليم والنظام الدولي.

خاتمة

تُظهر القضايا الخمس التي تناولتها هذه الورقة—قوات الدعمالسريع، والقوات المسلحة السودانية، وقيادة المؤسسة العسكرية، ودور الإسلاميين، وموقع الفاعلين الإقليميين والدوليين—خطوطالتصدع الأساسية التي تُقسم المشهد السياسي والمجتمعي، وتتجاوز الخلافات الإجرائية أو التكتيكية، لتعكس تباينات أعمقفي فهم طبيعة الدولة، ومصادر الشرعية، وحدود السلطة، وآفاقالانتقال السياسي بعد الحرب.

ولا يقتصر أثر هذه الانقسامات على النخب السياسية وحدها، بل امتدتدريجياً إلى النسيج المجتمعي والمجال الاجتماعي الأوسع، حيث باتتالمواقف المتباينة من هذه القضايا تنعكس في أنماط التفاعل اليومي، والخطاب العام، ووسائط التواصل الاجتماعي، وأحياناً كثيرة في شكلقطيعة اجتماعية بين الأصدقاء والأقرباء، ولِما تطرحه من أبعاد إثنيةومناطقية، بما يهدد بتآكل الثقة وإعادة إنتاج الاستقطاب الحاد، ويُنذربتفكك أعمق. ويشير هذا التحول إلى أن الخلاف لم يعد سياسياً فقط، بلبدأ يطال النسيج الاجتماعي، بما يحمله ذلك من مخاطر إضافية على فرصالتعافي الوطني.

وتُبيّن القراءة التحليلية لهذه الخلافات أن الإشكال لا يكمن في غيابالمبادرات أو الرؤى المطروحة، ولا في نقص التشخيصات العامة للأزمة، بقدرما يتمثل في العجز عن مواجهة نقاط الخلاف الحقيقية التي أفرزتها الحرب، والتعامل معها بصورة صريحة ومنهجية. فمحاولات تخطي هذه القضايا، أوترحيلها إلى مراحل لاحقة، أو معالجتها عبر تسويات جزئية، غالباً ما تؤديإلى إعادة إنتاج الانقسام بدلاً من تجاوزه.

وفي هذا السياق، لا تطرح هذه الورقة حلولاً جاهزة، ولا تسعى إلى ترجيحسردية بعينها حول الحرب أو مآلاتها، بقدر ما تهدف إلى الإسهام فيتوضيح طبيعة الخلافات القائمة، وإبراز تشابكها وتأثيرها المتبادل. فبلورةرؤية وطنية مشتركة تظل رهينة القدرة على إدارة هذه الاختلافات بوعيسياسي، والانتقال من منطق الإنكار أو التخوين إلى منطق الحوار المنظموالمسؤول.

إن التحدي الذي يواجه السودان اليوم لا يتمثل فقط في وقف الحرب، بل فيبناء حد أدنى من التفاهم حول القضايا التي ستحدد شكل الدولة ومستقبلهابعد الحرب. وبين استمرار ما يمكن تسميته بـ”حروب الرؤى”، وبين الشروعفي مسار وطني توافقي يستوعب هذا التعدد ويُديره سلمياً، يقف السودانعند مفترق تاريخي دقيق، لن يُحسم لصالح الاستقرار إلا بقدرة القوىالسياسية والمجتمعية على مواجهة خلافاتها بشجاعة، وإعادة تعريف قواعدالعمل السياسي على أسس أكثر شمولاً ومسؤولية.

اترك رد

error: Content is protected !!