لماذا تُصرّ واشنطن على اتهام الجيش السوداني بالكيميائي؟ قراءة في شبكة المصالح الأميركية-الإماراتية!؟

منذ إعلان وزارة الخارجية الأميركية في مايو 2025 أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية في سياق الحرب، تكرّر الموقف الأميركي بشكل لافت، متزامنًا مع حملة إماراتية نشطة لإعادة صياغة سردية الحرب في السودان، بموجب مستشار ترامب مسعد بأبوظبي وإطلالة مستشار الإمارات أنور قرقاش من شاشة. سي إن ان. هنالك تتعمد اتحميل الجيش مسؤولية «تصعيد غير مبرر». هذا التزامن دفع كثيرين للتساؤل: هل هو موقف مبني على أدلة صلبة؟حيث لم تجري الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحقيقا في هذا الخصوص . أم هو جزء من معركة النفوذ من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي؟ وهل يعكس مقاربة أميركية أوسع لإعادة ضبط موازين القوى في السودان، أم أنه صدى لتقاطعات مع سياسات أبوظبي؟
في هذا المقال نحاول تقديم تحليل منهجي معمّق يكشف الدوافع الأميركية — الظاهرة والخفية — وراء تكرار الاتهام، مع تفكيك الأبعاد الإقليمية والدولية المرافقة، وخصوصًا علاقة ذلك بالدور الإماراتي.
1.الاتهام الأميركي: إعلان سياسي قبل أن يكون استنتاجًا جنائيًا
الاتهامات الدولية باستخدام السلاح الكيميائي عادة ما تُبنى على لجان تحقيق تابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أو فرق أممية متخصصة. لكن في الحالة السودانية، ورغم ضجيج الاتهام، لم تُعلن أدلة ميدانية مفصّلة مع تحقيقات محايدة وموثقة، ولم تُنشر صور، عينات، أو تحقيقات خبراء كما يحدث عادة في قضايا مشابهة — مثل سوريا أو العراق.
هذا الغياب الملاحظ للبينات العلنية يشير إلى أن الإعلان الأميركي أقرب لعمل سياسي منه إلى «إدانة جنائية مكتملة». بمعنى أن واشنطن:
• استخدمت الاتهام كورقة ضغط،
• وقدمتها بصياغة تسمح لها باستعماله بمرونة،
• دون الالتزام بعرض ملف تقني مفصّل أمام الرأي العام الدولي.
وهذا يختلف جذريًا عن طريقة تعاملها مع «الهجمات الكيميائية» في حالات أخرى.
هنا تبدأ الإشارة الأولى: الاتهام ليس نهاية تحقيق… بل بداية ضغط.
2.لماذا الآن؟ لحظة سياسية حرجة تحتاج «أداة ضغط ضخمة» يأتي الاتهام في توقيت حسّاس: • تبدّل تدريجي في المزاج الأميركي تجاه قوات الدعم السريع بعد تراكم الأدلة على انتهاكات واسعة. • صعود خطاب السيادة السوداني واتهام الإمارات بدعم الحرب. • تزايد احتمالات حسم الجيش لبعض الجبهات ميدانيًا. • اقتراب مناقشات داخل الكونغرس حول إعادة تقييم العلاقة مع الإمارات. في مثل هذا المناخ، تحتاج واشنطن ورقة توازن تُبقي الجيش تحت الضغط، وتمنع انتصاره الكامل بلا شروط، وفي الوقت نفسه لا تُظهر الإمارات كطرف مُدان منفرد. إذن الاتهام يؤدي وظيفتين متعارضتين ظاهريًا:
1.كبح تقدم الجيش عبر وضع سقف سياسي لسلوكه العسكري.
2.إعادة تأهيل الدور الإماراتي من خلال خلق سردية مضادة تُظهر أن «الطرفين يرتكبان انتهاكات جسيمة».
وهذه هي نقطة التلاقي الجوهرية بين واشنطن وأبوظبي.
3.كيف تتقاطع السرديتان الأميركية والإماراتية؟
الإمارات، بعد تصاعد الاتهامات بحقها بتمويل وتسليح الدعم السريع، وجدت نفسها في موقف محرج دوليًا. فكان لزامًا عليها إعادة هندسة السردية بحيث:
• تُظهر الجيش كجهة «مساوية أو أسوأ» من الدعم السريع،
• تبث روايات عن «جرائم حرب» لتعميم الضباب الأخلاقي،
• وتدفع باتجاه مبادرات “وقف إطلاق نار” تمنع تقدّم الجيش.
واشنطن — لأسباب تتعلق بتوازنات البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، وتحالفاتها التقليدية — لم تكن راغبة في صدام مباشر مع الإمارات. بل وجدت في «الاتهام الكيميائي» وسيلة لتخفيف الضغط عنها.
وهكذا تحولت سردية أبوظبي من كونها دفاعًا عن «حليف» في الحرب، إلى «توازن أخلاقي» ترى فيه واشنطن مخرجًا مناسبًا.
4.هل لدى واشنطن مصلحة استراتيجية في إضعاف الجيش؟
الإجابة ليست ببساطة «نعم» أو «لا». فمقاربة واشنطن تجاه الجيش السوداني قائمة على معادلة دقيقة:
• لا تريده ضعيفًا إلى درجة الفوضى
• ولا تريده قويًا بلا قيود إلى درجة يخرج فيها عن إطار النفوذ الغربي
تاريخيًا، الولايات المتحدة تميل إلى «إدارة التوازنات» وليس ترجيح كفة طرف واحد. وفي الحالة السودانية، تريد واشنطن:
• جيشًا قادرًا على فرض الاستقرار،
• لكنه في نفس الوقت مرتبط بمسار سياسي تشرف عليه القوى الدولية،
• وخاضع لإصلاحات «إعادة الهيكلة» التي تمثل جوهر المقاربة الأميركية منذ 2019.
الاتهام الكيميائي يحقق وظيفة واضحة:
إبقاء الجيش محتاجًا للغطاء السياسي الغربي، وليس منتصرًا استقلاليًا.
5.اللوبي الحقوقي الأميركي: صوت مؤثر يبحث عن «قضية واضحة»
داخليًا، تواجه إدارة بايدن ضغوطًا من:
• منظمات حقوق الإنسان،
• أعضاء في الكونغرس،
• وجماعات ضغط ذات توجهات ليبرالية،
وكلها تبحث عن «موقف إنساني واضح» من حرب تُوصف بأنها من «أكبر الكوارث الإنسانية في القرن».
الاتهام الكيميائي يمنح هذه المجموعات مادة قوية:
• يثبت أن الإدارة «أخلاقية»،
• يظهر أن واشنطن لا تتهاون مع الانتهاكات،
• ويعطي الإدارة أداة تفاوضية مع الكونغرس في ملفات أخرى.
وبالتالي يصبح الاتهام لغة مشتركة تخدم أغراض عدة دوائر سياسية داخل واشنطن.
6.معركة السردية في الإقليم: من يملك الرواية يملك الموقف النهائي
السودان اليوم ساحة صراع روايات دولية:
• الجيش طرح سردية «حرب صريحة مدعومة من الإمارات»،
• الدعم السريع يحاول عبر الإعلام والإسناد الخارجي تقديم نفسه كـ«قوة سياسية لها مظالم».
• الإمارات تضخ سردية «الطرفين يرتكبان تجاوزات»،
• وواشنطن تبحث عن صيغة لا تخسر فيها الإمارات ولا تستعدي الجيش.
في مثل هذه البيئة، الاتهام الكيميائي هو ذخيرة سردية تساعد على:
• حجب التركيز عن جرائم الدعم السريع،
• تقليل وقع الاتهامات الموجهة للإمارات،
• خلق حالة من «التوازن الأخلاقي المصطنع»،
• وإطفاء قوة سردية الجيش حول التدخلات الخارجية.
بمعنى آخر: الاتهام هو سلاح إعلامي بقدر ما هو موقف سياسي.
7.النتائج المحتملة للاتهام: ماذا تكسب واشنطن؟ وماذا تخسر؟ أولًا: المكاسب
1.إضعاف القدرة العسكرية للجيش دون إسقاطه
وذلك عبر وضعه تحت المجهر الدبلوماسي، بما يقلل مساحة المناورة العسكرية.
2.إعادة تأهيل الإمارات دوليًا
في سياق «اللعبة الكبرى» على البحر الأحمر والموانئ والطرق التجارية.
3.امتلاك ورقة ضغط ثقيلة
يمكن استخدامها في المفاوضات المستقبلية، سواء في تشكيل الحكومة الانتقالية أو في إعادة هيكلة القوات النظامية.
4.تكريس قيادة واشنطن للمسار الدولي
وإثبات أنها اللاعب الأكثر قدرة على «تحديد المعايير الأخلاقية».
ثانيًا: الخسائر
1.تقويض فرص تحقيق مستقل
إذ يخلق الاتهام دون دليل منشور حالة من الشك تجعل التحقيقات اللاحقة موضع ريبة.
2.إضعاف الثقة مع الجيش
ما يدفعه للبحث عن تحالفات بديلة، وربما يعزز التعاون مع قوى ليست في مصلحة واشنطن.
3.تغذية الاستقطاب الداخلي
لأن الاتهام يميل إلى تأجيج خطاب «الاستهداف الدولي» و«الضغط السياسي».
8.هل هناك تقاطع بين الاتهام وخطط ما بعد الحرب؟
الإجابة: نعم، وبشكل واضح.
المسار الدولي المطروح لإعادة بناء الدولة السودانية بعد الحرب يعتمد على:
• جيشٍ «قابل للإصلاح»،
• منظومة أمنية «قابلة لإعادة الهيكلة»،
• ترتيبات انتقالية تشرف عليها قوى دولية،
• نموذج «شراكة مدنية-عسكرية» يشبه المقاربة التي قُدّمت بعد 2019.
اتهام الجيش باستخدام الكيميائي يمنح الغرب:
• ذريعة لاستبعاد بعض القيادات،
• وح justification لإدخال إصلاحات عميقة،
• وأداة ضغط في أي مفاوضات حول السلطة الانتقالية.
9.الخلاصة: لماذا تُكرر واشنطن الاتهام؟
لأن واشنطن — كقوة عالمية — لا تتعامل مع السودان بوصفه ملفًا إنسانيًا فقط، بل بوصفه ساحة أهمّ لمعادلات ثلاث:
1. توازن القوى في البحر الأحمر والقرن الأفريقي
2. العلاقة الاستراتيجية الحساسة مع الإمارات
3. منع انتصار عسكري يغيّر موازين الإقليم لصالح قوى لا يمكن التحكم بها
وعليه، تكرار الاتهام الكيميائي هو أداة سياسية مركّبة تخدم:
• الضغط،
• وضبط السلوك،
• وإعادة هندسة السردية،
• وإبقاء كل الأطراف في منطقة يمكن إدارتها دوليًا.
10.خاتمة
الاتهام الأميركي ليس حدثًا جنائيًا محضًا، بل هو توظيف سياسي لأخطر الاتهامات بهدف التأثير على مسار الحرب، وتوازنات الإقليم، وبنية الدولة السودانية بعد نهاية النزاع. لذلك يجب النظر إليه ضمن شبكة المصالح الأميركية-الإماراتية، وليس في سياق حقوقي مستقل
وعلى ضوء كل ما تقدّم، يتضح أن الاتهام الأميركي باستخدام السلاح الكيميائي لا يمكن قراءته بمعزل عن شبكة المصالح والتقاطعات التي تحيط بالحرب السودانية، ولا عن السعي الدولي — والأميركي تحديدًا — لإدارة مخرجات الصراع وضبط توازناته المستقبلية. فالمسألة أبعد من مجرد بيان دبلوماسي؛ إنها جزء من معركة سردية تُعاد صياغتها يوميًا بين الخرطوم وواشنطن وأبوظبي، ويُستخدم فيها الاتهام الأخطر في القانون الدولي كأداة لتوجيه مسار سياسي معقّد.
وفي هذا السياق تتبدّى ملامح الدور الإماراتي بوضوح أكبر. فوجود مسعد بولس في أبوظبي وترداده حرفيًا تقريبًا لصدى الحملة الإعلامية الرسمية يعكس الجهد المبذول لصناعة خطاب يحمّل الجيش السوداني تبعات الحرب، ويعيد تدوير الاتهامات بما يخدم رؤية الإمارات لموازين القوة في المنطقة. ويتعزّز هذا الاتجاه بظهور مستشارة الإمارات أنور قرقاش على شبكة CNN، حيث أعادت — على واحدة من أهم المنصات الأميركية — إنتاج الرواية ذاتها التي تتبنّاها أبوظبي حول «انتهاكات الجيش» متجاهلة الانتهاكات الواسعة لقوات الدعم السريع ودور شبكات التمويل والتسليح العابرة للحدود.
إن هذا التزامن بين الصوت الداخلي الإماراتي والصوت الخارجي الموجّه للرأي العام الدولي يكشف أن الاتهام الكيميائي لم يُطرح بوصفه ملفًا حقوقيًا صرفًا، بل باعتباره جزءًا من منظومة تأثير إعلامي وسياسي تهدف إلى خلق «توازن أخلاقي مصطنع» يخفّف الضغط الدولي المتزايد على أبوظبي، ويُعيد توجيه بوصلة اللوم نحو الخرطوم، ويُبقي مسار الحرب خاضعًا لسقف التدخلات الإقليمية والدولية. وفي ظل هذا المشهد المعقد، يصبح فهم الأدوات السردية المستخدمة — من الاتهام الكيميائي إلى الحملات الإعلامية المموّلة — ضرورة لأي قراءة واقعية لمآلات الحرب ولشكل الدولة السودانية في اليوم التالي لوقف النار.
——————-
٢٨ نوفمبر ٢٠٢٥ م



