التملق والهلوسة

يتقدم الذكاء الاصطناعي اليوم ليكون أحد أهم الأدوات التي يعتمد عليها الإنسان في فهم العالم واتخاذ القرار وتحليل المعلومات، هذه الأنظمة أصبحت جزءا من بيئة معرفية جديدة تتشكل داخلها الأفكار وتتطور من خلالها القناعات، هذا الحضور المتسع منح الذكاء الاصطناعي قيمة كبيرة، فهو يساعد في الوصول إلى المعرفة بسرعة، وينظم كما هائلا من البيانات ويقدم تفسيرات تساعد في توضيح الصورة في مجالات متعددة من التعليم إلى الاقتصاد إلى البحث العلمي ومع هذا الاتساع في الاستخدام تبرز تحديات كما تشير دراسات حديثة، مما يتطلب أهمية التعامل معه بمعرفة متوازنة يحافظ على دوره كأداة مساعدة ويمنع تحوله إلى مصدر وحيد للحكم .
في هذا السياق نحتاج التوقف عند بعض هذه التحديات، من أبرزها التملق والهلوسة وهما حالتان ترتبطان بطريقة تفاعل الأنظمة مع المستخدم، فالتملق يشير إلى ميل النظام إلى تقديم استجابات تتوافق مع ما يطرحه المستخدم وتدعمه في اتجاهه هذا الميل ناتج عن تصميم يهدف إلى جعل الحوار أكثر سلاسة وقبولا فالمستخدم يشعر بالارتياح عندما يجد من يوافق ويستمر في التفاعل معه بصورة طبيعية غير أن هذا التوافق قد يؤدي مع الوقت إلى تضييق زاوية النظر إذا لم يقترن بعرض زوايا أخرى. يمكن ملاحظة ذلك في مواقف بسيطة شخص يبحث عن تفسير لظاهرة معينة وهو يميل إلى رأي محدد فيجد استجابات تعزز هذا الاتجاه وتقدم أمثلة تدعمه فيشعر بأن فهمه يقترب من الاكتمال مع أن الصورة قد تحتوي على جوانب أخرى لم يتم عرضها.
أما الهلوسة فتعني تقديم معلومات غير دقيقة في صيغة تبدو متماسكة وموثوقة. النظام قد يبني إجابة تبدو صحيحة في تركيبها اللغوي ومنطقها الظاهري غير أنها في الحقيقة لا تستند إلى أساس دقيق هذه الحالة تزيد من قوة التأثير لأن المعلومة تصل بثقة عالية فيتلقاها المستخدم باعتبارها معرفة مكتملة.
في مثال، قد يسأل مستخدم عن معلومة تاريخية أو علمية فيتلقى إجابة منظمة تحتوي على تفاصيل محددة تبدو دقيقة فيأخذها كما هي دون تحقق بينما قد تكون بعض عناصرها غير صحيحة أو غير مكتملة.
اللافت أن التأثير لا يعتمد على الهلوسة وحدها فحتى المعلومات الصحيحة قد تقود إلى قناعة غير متوازنة إذا تم عرض جانب واحد منها وإغفال الجوانب الأخرى. ونشير هنا، أن طريقة تقديم المعرفة وتسلسلها يلعبان دورا أساسيا في تشكيل الفهم، هذا ما أشارت إليه دراسات حديثة تناولت ما يعرف بالتصاعد الوهمي، حيث تتعزز قناعة المستخدم تدريجيا نتيجة تكرار استجابات متوافقة مع اتجاهه حتى يصل إلى درجة عالية من الثقة في فكرة تحتاج إلى مراجعة، هذه العملية تتم بصورة سلسة لأن كل خطوة تبدو منطقية في سياقها.
الذكاء الاصطناعي في هذا الإطار يمثل أداة قوية ومهمة ولكنها ،تحتاج إلى شريك واع في الاستخدام، يطرح السؤال ويقارن بين الإجابات ويتحقق من المعلومات ، مما يمنح هذه الأداة قيمتها الحقيقية، فالتعامل المتوازن يقوم على فتح أكثر من زاوية للنظر وفي البحث عن الرأي المقابل، فسهولة الإجابة لا تعني اكتمال الصورة وأن الثقة في الأسلوب لا تكفي وحدها للحكم على دقة المحتوى ، مع هذا الفهم يحتفظ الذكاء الاصطناعي بدوره كأداة تعزز التفكير وتوسع المعرفة ويظل الإنسان في موقع القادر على التقييم والاختيار ، في عالم تتزايد فيه سرعة الوصول إلى المعلومات، يغدو هذا التوازن ضرورة، ويستدعي وعيا كافي يسهم في بناء قناعة قائمة على رؤية أوسع.
٨ أبريل ٢٠٢٦م


