
لم يكن مقال الباحث السعودي سلمان الأنصاري، الذي وجّه فيه انتقادات صريحة لسلوكيات نظام أبوظبي الإقليمية، مجرد اجتهاد فردي أو زلة لسان إعلامية. ما كُتب كان بمثابة كسر متعمد لسقف الصمت داخل المعسكر الخليجي، وإشارة واضحة إلى أن ما كان يُدار في الغرف المغلقة لم يعد قابلًا للاستمرار دون مساءلة علنية.
الأهم من مضمون المقال هو السؤال الذي لم يُطرح صراحة: لماذا الآن؟ ولماذا سُمح لهذا النوع من الخطاب أن يخرج إلى العلن بعد سنوات من التنسيق والتكتم؟ الجواب لا يتعلق بحرية تعبير مفاجئة، بل بوصول التناقضات إلى مرحلة الكتلة الحرجة التي يصبح عندها الصمت تواطؤًا، والتغاضي مخاطرة استراتيجية.
من شريك إلى عبء: متى تحولت أبوظبي إلى عامل عدم استقرار؟
خلال العقد الأخير، تبنت أبوظبي سياسة خارجية قائمة على منطق الهيمنة غير المباشرة: التدخل دون تحمل مسؤولية، إدارة الصراعات بدل حلها، وتغذية الفاعلين المسلحين خارج إطار الدولة الوطنية.
في اليمن، كان دعم الفصائل الانفصالية تقويضًا مباشرًا لأي مسار سياسي جامع.
في ليبيا، أدى الرهان على الحل العسكري إلى إطالة الصراع وتفكيك الدولة.
لكن في السودان، تجاوز الأمر حدود العبث إلى مستوى التدمير المنهجي.
السودان ليس ساحة هامشية يمكن اختبار النفوذ فيها. هو دولة مركزية في معادلة الأمن العربي، وحلقة وصل بين مصر، والقرن الإفريقي، والبحر الأحمر. ومع ذلك، تم التعامل معه كساحة مفتوحة لإعادة إنتاج نموذج “الدولة المنهكة” عبر دعم مليشيا خارجة عن أي إطار وطني، ما أدى إلى حرب مفتوحة دمّرت العاصمة، وشردت الملايين، ونسفت استقرار الدولة السودانية.
هنا لم يعد الحديث عن “اختلاف في الرؤى”، بل عن تصادم مباشر مع مفهوم الدولة ذاته.
السعودية والسودان: لماذا لم يعد الخلاف قابلًا للاحتواء؟
السعودية، بخلاف أبوظبي، تنطلق من رؤية ترى في استقرار الدول العربية ركيزة لأمنها القومي، لا عبئًا تكتيكيًا عليها. ولهذا فإن التناقض لم يعد محصورًا في تفاصيل أو ملفات محددة، بل في فلسفة إدارة الإقليم.
دعم مليشيا “حميدتى” في السودان لا يهدد الخرطوم وحدها، بل يفتح خاصرة مصر الجنوبية، ويزعزع أمن البحر الأحمر، ويخلق فراغًا تستثمره قوى إقليمية ودولية معادية، ويحوّل السودان إلى نموذج فوضى معلب قابل لتكرار الإنتاج.
من هنا، يمكن فهم لهجة سلمان الأنصاري باعتبارها انعكاسًا لغضب سياسي متراكم داخل دوائر القرار السعودية، حيث بات واضحًا أن سياسات أبوظبي لم تعد فقط متعارضة، بل مُكلفة وخطِرة.
لماذا يُقال اليوم ما كان يتعذر قوله أمس؟
لأن النتائج ظهرت، ولأن الرهان على الفوضى لم يعد قابلًا للتسويق، ولأن تكلفة الصمت أصبحت أعلى من تكلفة المواجهة الإعلامية والسياسية.
التحولات الدولية، وتراجع الغطاء الأمريكي التقليدي، وصعود منطق المصالح المباشرة، كلها عوامل سمحت بظهور خطاب أكثر جرأة. لم تعد التحالفات تُدار بمنطق “الانسجام الشكلي”، بل بمنطق المحاسبة على الأفعال.
السودان كخط أحمر لا كساحة اختبار:
الخطورة في المشهد السوداني لا تكمن فقط في حجم الدمار، بل في محاولات التطبيع مع فكرك دعم المليشيات باعتباره خيارًا سياسيًا مقبولًا. هذا المنطق إذا تُرك دون مساءلة، فإنه ينسف أي حديث عن استقرار إقليمي أو أمن جماعي.
والسؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لمن يدّعي محاربة الفوضى أن يكون أحد أكبر رعاتها؟
خلاصة:
مقال سلمان الأنصاري ليس بداية الخلاف، بل إعلان عن أن الخلاف خرج إلى العلن.
والسودان ليس ملفًا ثانويًا، بل نقطة الانكسار التي كشفت زيف خطاب “الاستقرار” عندما يُفصل عن دعم الدولة الوطنية.
المنطقة اليوم أمام خيارين:
إما إعادة تعريف التحالفات على أساس احترام سيادة الدول،
أو الانزلاق نحو فوضى تُدار بالوكالة، لكنها ستحترق في النهاية على أبواب الجميع.
وهنا تحديدًا تبدأ الكتلة الحرجة.



