الرواية الأولى

نروي لتعرف

الكتلة الحرجة / ود البلد

حين تصبح الثقة المفرطة سياسة: حميدتي، الكفيل، وأوهام النصر السريع

ليست كل الحروب نتيجة سوء تقدير استخباري، ولا كل الكوارث السياسية ثمرة مؤامرات معقّدة. أحيانًا، تكون المأساة ناتجة عن أمر أبسط وأخطر في آنٍ واحد: الثقة المفرطة. تلك الحالة الذهنية التي تجعل صانع القرار يرى العالم كما يريد، لا كما هو، ويقنع نفسه بأن المخاطر تحت السيطرة، وأن “هذه المرة مختلفة”.
في كتابه الهام “الثقة المفرطة والحرب: الخراب والمجد الناتجان عن الأوهام الإيجابية” (٢٠٠٤)، يقدّم عالم النفس السياسي البريطاني دومينيك جونسون تفسيرًا بالغ الأهمية لهذا النمط المتكرر في التاريخ. الفكرة المركزية بسيطة وتستحق التأمل: القادة لا يدخلون الحروب وهم يتوقعون الهزيمة، بل وهم أسرى لانحيازات معرفية تدفعهم إلى المبالغة في قدراتهم، والتقليل من شأن خصومهم، والتوهّم بأن النصر سيكون سريعًا وقليل التكلفة. هذه “الأوهام الإيجابية” قد تكون مفيدة على مستوى الفرد، لكنها في السياسة الدولية تتحول إلى وصفة شبه مضمونة للخراب.
ما يحدث في السودان منذ أبريل ٢٠٢٣ يقدّم مثالًا حيًا على ذلك.

حميدتي ووهم الحسم السريع:
منذ الساعات الأولى للحرب، تصرّف محمد حمدان دقلو (حميدتي) وكأن ميزان القوة يميل حتميًا لصالحه. راهن على سرعة الحركة، والانتشار الواسع، والسيطرة السريعة على الأرض، متجاهلًا عناصر حاسمة: تفوّق الجيش السوداني في التسليح الثقيل، والسيطرة الجوية، والشرعية الدولية التقليدية.
في خطاباته المتكررة، بدا وكأن الهزائم مجرد “تكتيك”، والتراجع مرحلة عابرة قبل العودة إلى الخرطوم “بكرامة”. هذا النمط ليس جديدًا؛ هكذا تبدأ حروب كثيرة: ثقة مفرطة بنصر خاطف، تنتهي باستنزاف طويل.
ومع اقتراب الصراع في السودان من عامه الثالث بحلول ديسمبر ٢٠٢٥، تحوّل الوهم إلى كارثة كاملة: اتهامات موثقة بجرائم حرب وإبادة جماعية في دارفور، ملايين النازحين، وأزمة إنسانية تُوصَف اليوم بأنها الأكبر عالميًا.
وفي دليل حديث على استمرار هذا الوهم، شنّت قوات الدعم السريع فجر ١٨ ديسمبر ٢٠٢٥ – قبل يوم واحد فقط من الذكرى السبعين لإعلان استقلال السودان تحت قبة الجمعية التأسيسية – هجومًا بطائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية على مدينة عطبرة، مستهدفة محطة كهرباء المقرن التحويلية، ما أسفر عن مقتل اثنين من أفراد الدفاع المدني، وإصابات في المحولات، وانقطاع التيار الكهربائي عن ولايات نهر النيل والبحر الأحمر وأجزاء من الخرطوم. وهو تصعيد يعكس التحول إلى تكتيك الاستنزاف طويل الأمد بدلًا من الحسم السريع المتوهَّم.

الكفيل والرهان منخفض التكلفة:
لكن الثقة المفرطة لم تكن حكرًا على الفاعل المحلي. فوفق تقارير دولية وأممية، تواجه دولة الإمارات اتهامات بتقديم دعم مباشر وغير مباشر لمليشيا الدعم السريع، مدفوعة بحسابات اقتصادية وجيوسياسية تشمل الذهب، والموانئ الاستراتيجية على البحر الأحمر، وهواجس عودة تيارات سياسية معادية لمصالحها في الخرطوم.
من منظور صانع القرار، بدا الرهان عقلانيًا: دعم حليف مسلح يحقق مكاسب سريعة، من دون تورّط مباشر أو كلفة سياسية كبيرة. لكن هذا هو جوهر الوهم الذي يحذّر منه جونسون في كتابه. فالتاريخ مليء بأمثلة لرهانات بدت “ذكية” نظريا، وانتهت بنتائج عكسية على أرض الواقع، من اتفاقية ميونيخ عام ١٩٣٨ إلى غزو العراق عام ٢٠٠٣.
في الحالة السودانية، جاءت النتيجة معاكسة للتوقعات: تصعيد عسكري، تعقيد سياسي، غضب دولي متزايد، وعقوبات طالت شبكات وشخصيات مرتبطة بالدعم المزعوم. بدل نظام مستقر ومواتٍ، أنتج الرهان حربًا مفتوحة تُنهك السودان وتُربك محيطه الإقليمي.

الوهم الذي يتكرر:
ما يلفت في هذا المشهد ليس فقط فداحة النتائج، بل تشابه العقلية. حميدتي والداعم الإقليمي التقيا – كلٌّ بطريقته – عند الفكرة نفسها: نصر سريع، خصم منهك، وتكلفة يمكن احتواؤها. هذا ما يسميه جونسون “التخريب الناتج عن التفاؤل”، حين تتحول الثقة الزائدة من أداة حشد إلى عامل تدمير واسع النطاق.
المشكلة أن هذه الأوهام لا تموت بسهولة. تغذّيها مؤسسات تكافئ الخطاب الواثق، وإعلام يفضّل السرديات القاطعة، ونخب سياسية تميل إلى سماع ما يطمئنها لا ما يقلقها. وهكذا، تتراكم الأخطاء حتى تصل المجتمعات إلى الكتلة الحرجة: اللحظة التي يصبح فيها تصحيح المسار أكثر كلفة من الاستمرار في الخطأ.
في السودان، لم تعد الأزمة مجرد صراع على السلطة، بل مثالًا حيًا على كيف يمكن للثقة المفرطة – حين تتحول إلى سياسة – أن تدمّر استقرار وطن كامل. وفي اللحظة التي اقتربت فيها الحرب من عامها الثالث، جاء هجوم ١٨ ديسمبر ٢٠٢٥ على عطبرة، بطائرات مسيّرة متقدمة، ليؤكد وصول الأطراف إلى “الكتلة الحرجة”: تصعيد مكلف ومدمّر يستهدف البنية التحتية المدنية، مدفوعًا بثقة مفرطة مشتركة بين الطرف المحلي و”الكفيل”، ويجعل التراجع أصعب من الاستمرار في التخريب.
والسؤال الأخطر ليس ما إذا كانت هذه الحرب ستنتهي، بل: كم حربًا أخرى في الإقليم تُدار اليوم بالعقلية نفسها، وتنتظر فقط لحظة انفجار يطلقها أو يتسبب فيها الكفيل؟

اترك رد

error: Content is protected !!