الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

حول خطورة تسييس آليات حظر الأسلحة الكيميائية والمتاجرة بالاتهام الدولي لأغراض سياسية!؟

السفير د. معاوية التوم


إلى المنظمات الدولية، وهيئات نزع السلاح، ومؤسسات القانون الدولي،

إن أخطر ما يواجه منظومة العدالة الدولية اليوم ليس انتهاك القواعد الضابطة لها، بل تحويلها إلى أدوات ابتزاز سياسي على يد فاعلين لا يملكون مشروع دولة، فيستعيضون عنه بتدويل الاتهام وتسليع الوصمة. و د. عبد الله حمدوك يطرق باب المحكمة الجنائية الدولية تسولا والجنائية ترفض طلبه.
في هذا السياق، يثير بالغ القلق قيام وفود سياسية سودانية، غير ممثلة للدولة، وغير مخولة قانونًا، وليس لديها تفويض شعبي ولا ثقل داخلي بمحاولة الزج بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في صراع داخلي معقّد، عبر ادعاءات قصوى تتعلق باستخدام أسلحة كيميائية، دون استيفاء الحد الأدنى من الشروط الإجرائية والقانونية المعتمدة دوليًا.
أولًا: الاتهام الكيميائي ليس رأيًا سياسيًا
وفق اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية (CWC)، فإن ادعاء استخدام هذا السلاح يُعد من أشد الاتهامات خطورة في القانون الدولي، ولا يُتعامل معه بوصفه:
• تصريحًا سياسيًا،
• أو مادة إعلامية،
• أو ورقة ضغط تفاوضية.
بل يخضع لمسارات دقيقة تشمل:
• طلبًا رسميًا من دولة طرف أو آلية أممية مختصة،
• تحقيقًا فنيًا مستقلًا،
• أدلة مادية مثبتة بسلسلة حفظ (Chain of Custody)،
• وتحليلًا مخبريًا معتمدًا من مختبرات المنظمة.
وعليه، فإن أي محاولة لتجاوز هذه المنهجية عبر وفود حزبية أو تنظيمات سياسية، تمثل انتهاكًا لروح الاتفاقية، وتسيئ للمنظمة قبل أن تسيء للدولة المعنية.
ثانيًا: تسييس المنظمة ينسف مصداقيتها
إن فتح أبواب المنظمات الدولية أمام ادعاءات غير مؤسسية، صادرة عن أطراف منخرطة سياسيًا في النزاع، يحوّل المنظمة من هيئة فنية محايدة إلى ساحة تصفية حسابات.
وهذا المسار لا يضر بالسودان وحده، بل:
• يهدد حياد آليات نزع السلاح،
• يضعف الثقة العالمية في تقارير المنظمة،
• ويخلق سابقة خطيرة تسمح لأي فاعل سياسي فاشل بتدويل صراعه المحلي.
فالمنظمات الدولية ليست ملجأً لمن خسروا معاركهم داخل أوطانهم بفقر فكرهم وحصاد فعالهم.
ثالثًا: الادعاء دون مسار وطني = تجريم سياسي
إن القفز مباشرة إلى المنصات الدولية، دون:
• مخاطبة القضاء الوطني،
• أو المطالبة بآليات تحقيق داخلية مستقلة،
• أو حتى احترام مبدأ الاختصاص التكميلي،
يُعد سلوكًا تجريميًا بحق الدولة، لا دفاعًا عن المدنيين، بل سعيًا لتشويه مؤسسة سيادية مركزية، هي القوات المسلحة السودانية، في لحظة تهديد وجودي للدولة نفسها.
هذا ليس عملاً حقوقيًا، بل فعل عدائي مكتمل الأركان، يخدم – موضوعيًا – أجندات خارجية تسعى لنزع شرعية الدولة الوطنية لصالح قوى التمرد، وحفز التمرد على المزيد من الجرائم والانتهاكات طالما يتم تبييض فظائعه.
رابعًا: من يتاجر بالوصمة يفقد الأهلية السياسية
من يستخدم أخطر التهم الدولية – السلاح الكيميائي – كوسيلة للوصول إلى السلطة، يثبت:
• غياب الحس الوطني،
• انعدام المسؤولية الأخلاقية،
• وعدم الأهلية لإدارة الشأن العام.
. بيع سردية الوطن لمن يدفع أكثر
فالسياسة لا تُمارس عبر حرق سمعة الوطن، ولا عبر استدعاء العقوبات والتدخلات الأجنبية والمشروعات الخارجية كطريق مختصر إلى الكرسي والسلطة كما تفعل (صمود وتأسيس).
خامسًا: رسالة إلى المنظمات الدولية
إن مسؤولية المنظمات الدولية لا تقتصر على التحقيق، بل تشمل حماية آلياتها من التسييس.
وعليه، فإن:
• رفض استقبال الادعاءات غير المؤسسية،
• وعدم التعاطي مع الوفود الحزبية كبديل للدول،
• والتشدد في المعايير الإجرائية،
ليست مواقف سلبية، بل واجب قانوني وأخلاقي لحماية النظام الاقليمي والدولي نفسه.
خاتمة:
في واحدة من أكثر اللحظات قتامة في تاريخ السودان الحديث، وبينما تنزف البلاد من حربٍ أشعلها التمرد ودفعت ثمنها الدولة والمجتمع معًا، ما تزال تهدد الاقليم برمته، اختار بعض الساسة أن ينقلوا معركتهم من فضاء السياسة إلى ساحات التجريم الدولي، لا دفاعًا عن الحقيقة، بل استثمارًا في الوصمة.
وفدٌ من تنظيم «صمود»، ضمّ خالد عمر يوسف وبكري الجاك ونجلاء كرار، توجّه إلى لاهاي، حيث مقر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مطالبًا بتشكيل لجنة تحقيق ضد القوات المسلحة السودانية، ومُدّعيًا امتلاك «تقارير موثقة وأدلة مادية» على استخدام أسلحة كيميائية في الحرب الدائرة.
ليست المشكلة هنا في حق الادعاء، فالقانون الدولي لا يُحرّم التبليغ، لكن الكارثة تكمن في
إن العدالة الدولية خُلقت لحماية البشر، لا لتكون سلعة في سوق السياسة ومزايداتها.
ولهذا لم يكن مفاجئًا أن يأتي رد رئيس المكتب التنفيذي عمليًا:
تشكيل لجنة تحقيق أمر إجرائي بالغ التعقيد، مع إشارة واضحة إلى أن ما يُطرح ليس مسارًا مؤسسيًا، بل محاولة ضغط عبر بوابة أخرى (ألمانيا داخل المنظمة).
بعبارة أبسط:
المنظمة تعرف جيدًا كيف تتحقق، ولا تحتاج دروسًا من هواة السياسة
ومن يحاول المتاجرة بآلام الشعوب، وبتجريم أوطانهم، وبشيطنة جيوشهم، طمعًا في سلطة أو رضا راعٍ خارجي، يجب أن يُواجَه بالقانون، لا بالمجاملة.
فالدول تُبنى بالمسؤولية الوطنية …
أما من لا يملك إلا الوشاية الدولية، فلا يستحق موقعًا في مستقبلها، ولا ثقة الشعب الذي فتكت به آلة التمرد ورعاته.
من لا يملك مشروع دولة… عبر صراع سياسي مأزوم يتاجر بسمعة جيش بلاده ومعاناة أمته بعبثية تسليح الاتهامات الكيميائية !؟
حين يُقدم سياسيون سودانيون على تسويق هذه التهمة ضد جيش بلادهم، دون مسار وطني أو قانوني أو حتى حد أدنى من المسؤولية، فإن السؤال لا يكون:
هل التهمة صحيحة؟
بل: لمن تُخدم؟
الإجابة المؤلمة أن هذا السلوك ينسجم تمامًا مع أجندة الراعي الإقليمي للتمرد، الذي يسعى منذ اندلاع الحرب إلى:
• تشويه سمعة القوات المسلحة،
• نزع شرعيتها الوطنية والدولية،
• وإعادة تعريف الصراع باعتباره «جريمة دولة» لا «تمردًا مسلحًا».
:خلاصة
من يراهن على الارتهان الدولي ضد وطنه وجيشه لا يمارس سياسة، بل يوقّع شهادة عجزه الوطني.
فالدول لا تُبنى بالوشاية، ولا تُدار بتسويق الاتهامات، ولا تُستعاد سيادتها عبر غرف الضغط الخارجية.من يختار المتاجرة السياسية باسم العدالة الدولية، خارج مسار وطني ومسؤول، لا يخدم الضحايا ولا الحقيقة، بل يخدم أجندات تمزيق الدولة وإطالة الحرب.
وفي لحظات المفصل التاريخي، تُحفظ الأوطان بمن يملكون مشروع دولة… لا بمن يستبدلونها بوصاية أجنبية.
——-//——-
٣١ يناير ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!