
تشهد منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي في السنوات الأخيرة تحولات عميقة ومتسارعة، لم تعد تقتصر على التنافس الجيوسياسي التقليدي، بل امتدت لتشمل إعادة تشكيل جغرافيا النفوذ الاقتصادي، وتبدلات في موازين القوة البحرية، وتصاعدًا في التهديدات الأمنية غير التقليدية، من الحروب بالوكالة إلى عسكرة الموانئ، ومن صراعات الطاقة إلى التنافس على الممرات الاستراتيجية وسلاسل الإمداد العالمية.
فالبحر الأحمر، الذي ظل لعقود ممراً محايدًا للتجارة العالمية ومعبراً للطاقة، بات اليوم مسرحاً مفتوحاً لتقاطعات المصالح الدولية والإقليمية، حيث تتزاحم به القواعد العسكرية ويعج بحركة الأساطيل البحرية العسكرية، وتتسابق القوى الكبرى والإقليمية لترسيخ موطئ قدم دائم في معادلة الأمن البحري، بينما تتأثر دول الإقليم مباشرة بتداعيات الصراعات الممتدة من الخليج إلى شرق إفريقيا.
وفي القلب من هذه التحولات، يبرز البعد المائي بوصفه العامل الأكثر حساسية وتأثيراً في مستقبل الاستقرار، حيث يتقاطع أمن البحر الأحمر مع أمن نهر النيل، ليشكلا معاً منظومة استراتيجية واحدة، تتجاوز الجغرافيا إلى معادلة وجودية تتعلق بالأمن القومي والتنمية والاستقرار.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تصور استراتيجي جديد، يعيد تعريف العلاقات بين دول الإقليم على أساس المصالح المشتركة، ويؤسس لتحالف قادر على حماية الموارد الحيوية وضبط التوازنات الإقليمية، وهو ما يمكن التعبير عنه بمفهوم “ثنائية النيل ورباعية البحر الأحمر” بوصفها مدخلاً نحو حلف الأمن المائي الجديد.
ويمكن تعريف “حلف الأمن المائي الجديد” بأنه إطار إقليمي تكاملي متعدد الأبعاد، يقوم على تنسيق السياسات السياسية والاقتصادية والأمنية بين الدول المشاطئة للنيل والبحر الأحمر، بهدف حماية الموارد المائية، وتأمين الممرات البحرية، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وبناء شبكة مصالح مشتركة تضمن استدامة التنمية وتوازن النفوذ في المنطقة.
السودان ومصر يمثلان نموذجاً فريداً لعلاقة جيوسياسية تتجاوز حدود الجوار الجغرافي إلى وحدة المجال الحيوي، حيث يجمع البلدين نهر واحد، وتاريخ مشترك، وتشابك عميق في المصالح الاقتصادية والأمنية، فضلاً عن وحدة التهديدات المرتبطة بأمن المياه والاستقرار الإقليمي.
فالنيل ليس مجرد مورد مائي، بل هو شريان حياة وركيزة وجود، وأي تهديد لتدفقه أو استقراره ينعكس مباشرة على الأمن القومي للبلدين، الأمر الذي يجعل من التنسيق الاستراتيجي بين الخرطوم والقاهرة ضرورة وجودية لا خياراً سياسياً.
كما أن التحديات المشتركة، من تداعيات النزاعات الإقليمية، إلى مخاطر عدم الاستقرار في القرن الإفريقي، مروراً بتهديدات الأمن البحري، تفرض واقعاً جديداً يقوم على التكامل في السياسات الاقتصادية والأمنية، وتنسيق المواقف الإقليمية والدولية، بما يؤسس لنواة حقيقية لحلف سياسي واقتصادي وأمني ينطلق من ثنائية النيل.
وإذا ما كانت ثنائية النيل تمثل الأساس الجيوسياسي للحلف، فإن امتداده الطبيعي نحو البحر الأحمر يفتح المجال لتشكيل رباعية استراتيجية قادرة على إعادة التوازن في الإقليم، من خلال ضم المملكة العربية السعودية بوصفها القوة السياسية والاقتصادية والمالية الكبرى المطلة على البحر الأحمر فضلًا عن وزنها الديني وأثرها الروحي المتعاظم ، وإرتريا باعتبارها دولة محورية في الضفة الإفريقية تمتلك موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية.
تشترك هذه الدول في مجموعة واسعة من المصالح، أبرزها:
تأمين الممرات البحرية وحماية الملاحة الدولية
مواجهة التهديدات الأمنية غير التقليدية
حماية الاستثمارات والبنية التحتية البحرية
تعزيز التكامل الاقتصادي وسلاسل الإمداد
الحفاظ على استقرار الإقليم ومنع عسكرة التوازنات ضده
كما تواجه هذه الدول مهددات مشتركة تتراوح بين الصراعات الإقليمية والتدخلات الخارجية ومحاولات فرض النفوذ عبر أدوات غير مباشرة، ما يجعل من الرباعية إطاراً واقعياً لبناء تحالف متماسك قائم على المصالح المتبادلة.
كذلك، وبقدر يسير من الترتيب و التنسيق؛ يمكن تطوير هذا الحلف ليشمل دولاً أخرى من الدول المشاطئة للبحر الأحمر والقرن الإفريقي متى ما توفرت الإرادة السياسية المستقلة، والرغبة في الانضمام إلى منظومة قائمة على المصالح المشتركة، بعيداً عن الضغوط أو الاصطفافات الخارجية، ليضم في مرحلة لاحقة “السودان — مصر — السعودية — إرتريا — اليمن — الصومال — جيبوتي”؛ ويمثل هذا التوسع خطوة نحو بناء منظومة إقليمية متكاملة قادرة على إدارة أمن البحر الأحمر من داخل الإقليم، لا من خارجه، بما يعيد الاعتبار لمفهوم “أصحاب المصلحة الحقيقيين”.
ولا يقتصر الحلف المقترح على أبعاده الأمنية والاستراتيجية فحسب، بل يقوم في جوهره على ركيزة اقتصادية تكاملية تشكل الضامن الحقيقي لاستدامته، إذ إن أمن الممرات البحرية لا ينفصل عن ازدهار التجارة، كما أن حماية الموارد المائية ترتبط مباشرة بأمن الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد. ومن هنا يمكن للحلف أن يؤسس لمنظومة اقتصادية إقليمية تقوم على تطوير الموانئ والمناطق اللوجستية، وتعزيز الربط البحري والبري، وتنسيق السياسات الاستثمارية، وإطلاق مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة والنقل والتجارة، بما يحول البحر الأحمر من مجرد ممر عبور إلى فضاء اقتصادي متكامل، ويجعل من التعاون الاقتصادي رافعة للاستقرار السياسي والأمني في الإقليم.
ولا يمكن لأي تحالف إقليمي أن يحقق فاعليته الكاملة دون مقاربة شاملة للتحديات البنيوية في إقليم الصومال الجغرافي الكبير، بوصفه أحد أهم مفاتيح الاستقرار في القرن الإفريقي، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية والأمنية والاقتصادية بين مكوناته المختلفة، بما يشمل الصومال الفيدرالي وأرض الصومال وبونتلاند. وتمثل الانقسامات السياسية وتعدد مراكز النفوذ أحد أبرز مصادر الهشاشة التي قد تؤثر على تماسك أي منظومة تعاون إقليمي، الأمر الذي يجعل من دعم مسارات الحوار وتعزيز مؤسسات الدولة الصومالية وبناء التفاهمات بين مختلف المكونات ضرورة استراتيجية لتقريب الرؤى وتنسيق المصالح، بما يسهم في خلق بيئة أكثر استقراراً وانسجاماً قادرة على التفاعل الإيجابي مع أي إطار تعاون إقليمي، ويحول دون تحول الإقليم إلى نقطة هشاشة أو مجال تنافس خارجي يؤثر على تماسك الحلف واستدامته.
وكقراءة مبسطة لتفاعلات القوى الإقليمية و الدولية، نجد :
أن تركيا تسعى إلى ترسيخ حضورها عبر أدوات القوة الناعمة والاستثمارات والبنية العسكرية، مستندة إلى عمقها التاريخي وعلاقاتها المتشعبة في القرن الإفريقي.
في حين ان قطر تعتمد على أدوات الوساطة والدبلوماسية الاقتصادية، مع حضور إعلامي مؤثر يساهم في تشكيل التوازنات السياسية.
اما إيران فتركز على توسيع نفوذها عبر أدوات غير مباشرة، مستفيدة من حالة السيولة الأمنية في بعض مناطق الإقليم معتمدة على أذرعها الاقليمية من الجماعات الشيعية كالحوثيين في منطقة اليمن.
وكذلك فإن الإمارات ومع تزايد حضورها الاقتصادي والاستثماري في الموانئ والبنية التحتية، فقد أصبحت أدوارها الأمنية والعسكرية محل نقاش إقليمي متباين حول طبيعة تأثيره على توازنات المنطقة.
وظلت إسرائيل تسعى و بشكل مستمر لتعزيز حضورها الأمني والاقتصادي في البحر الأحمر ضمن استراتيجية أوسع لحماية خطوط الملاحة والتوازنات الإقليمية.
و أخيرًا فإن الولايات المتحدة، ظلت و عبر استراتيجية امن قومي خاصة بالمنطقة، تركز على ضمان حرية الملاحة وتأمين الممرات الاستراتيجية، والحفاظ على توازن القوى بما يخدم مصالحها العالمية.
يقوم الحلف المقترح على قاعدة واضحة مفادها أن التحالفات المستدامة لا تُبنى على ردود الفعل أو التهديدات المؤقتة، بل على منظومة مصالح متكاملة سياسية واقتصادية وأمنية، تحقق منفعة متبادلة وتضمن استقراراً طويل الأمد.
ويبدأ الحلف بالدول الجاهزة سياسياً واستراتيجياً، ثم يتوسع تدريجياً ليضم شركاء آخرين من أصحاب المصلحة، وفق معايير واضحة تقوم على الإرادة السياسية والاستقلال في القرار.
ولكي يتحول الحلف من إطار تصوري إلى منظومة فاعلة، فإنه يحتاج إلى بنية قانونية ومؤسسية متماسكة تقوم على ميثاق تأسيسي يحدد الأهداف والمبادئ وآليات العمل، ويؤسس لمجلس أعلى للتنسيق الاستراتيجي، وأمانة فنية دائمة، وأطر قطاعية للتعاون في مجالات الأمن البحري وإدارة الموارد المائية والتكامل الاقتصادي. ومن شأن هذا الإطار المؤسسي أن يوفر آلية لاتخاذ القرار المشترك وتسوية الخلافات وتعزيز الشفافية، بما يضمن استدامة الحلف ويحول دون تأثره بالتغيرات السياسية الظرفية.
يمكن للحلف أن يشكل إطاراً لإعادة التوازن في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، عبر تمكين دول الإقليم من إدارة أمنها الجماعي، وتعزيز قدرتها على فرض معادلة نفوذ قائمة على المصالح المشتركة، بما يحد من التدخلات الخارجية غير المتوازنة.
كما يمكن أن يستفيد الحلف من الميزات النسبية لكل دولة؛ من حيث :
القوة المالية والاقتصادية
الموقع الجغرافي الاستراتيجي
القدرات العسكرية والأمنية
النفوذ السياسي والدبلوماسي
الموارد الطبيعية والبشرية
إن الهدف الاستراتيجي النهائي للحلف يتمثل في تحويل البحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي إلى فضاء للاستقرار والتنمية، بحيث يصبح البحر الأحمر بحيرة سلام وممراً للتنمية والتكامل الاقتصادي، بدلاً من أن يكون ساحة صراع مفتوحة. ويشمل ذلك:
تطوير البنية التحتية البحرية واللوجستية
تعزيز التكامل الاقتصادي والتجاري
حماية الموارد الطبيعية
بناء منظومة أمن بحري مشتركة
إنشاء مشاريع تنموية عابرة للحدود
إن ثنائية النيل ورباعية البحر الأحمر ليست مجرد تصور نظري، بل تعبير عن حقيقة جيوسياسية تفرضها طبيعة الإقليم وتحدياته المتشابكة، حيث لا يمكن فصل أمن المياه عن أمن البحار، ولا الاستقرار الاقتصادي عن التوازن الأمني.
إن تأسيس حلف الأمن المائي الجديد يمثل خطوة نحو إعادة تعريف معادلة القوة في المنطقة، على أساس الشراكة لا التبعية، والمصالح المشتركة لا الاصطفافات المؤقتة، بما يتيح لدول الإقليم أن تنتقل من موقع التلقي إلى موقع الفعل، ومن ساحة التنافس إلى فضاء التعاون.
فحين يدرك أصحاب المصلحة الحقيقيون أن أمنهم لا يُستورد، وأن استقرارهم لا يُبنى إلا بإرادتهم المشتركة، يصبح البحر الأحمر جسراً للتكامل، ويغدو النيل رافعة للتنمية، ويتحول الإقليم بأكمله إلى فضاء سلام واستقرار وازدهار. وعليه فإن اللحظة الجيوسياسية الحالية وما يتداعى من احداث؛ قد يكون الفرصة التاريخية الأخيرة لبناء منظومة أمن إقليمي من داخل الإقليم قد لا تتكرر على المدى القريب.
الخميس 19 فبراير 2026م


