الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

ثلاثة قوانين ترسم ملامح المستقبل الرقمي في السودان

د. محمد عبدالرحيم يسن




أجاز مجلس الوزراء في اجتماعه الأخير مشروعات قوانين تتعلق بتنظيم الأمن السيبراني، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، وتمثل هذه الخطوة تطورا مهما في مسيرة بناء الدولة الرقمية في السودان، واستجابة لحاجة قطاع التقنية والتحول الرقمي، تتمثل في وجود إطار تشريعي ينظم مستحدثات استخدام التكنولوجيا، ويحدد المسؤوليات، ويدعم تطوير المؤسسات والخدمات الرقمية.
تأتي هذه التشريعات في وقت أصبحت فيه البيانات موردا اقتصاديا، والأنظمة الرقمية جزءا من عمل المؤسسات والخدمات العامة، والذكاء الاصطناعي حاضرا في مجالات الإدارة والتعليم والصحة والإنتاج.
إن إجازة هذه القوانين لتنظيم هذه المجالات كان ضروريا لمواكبة التحولات التقنية، وتهيئة البيئة المناسبة للاستثمار والابتكار، وتعزيز ثقة المجتمع في الخدمات الرقمية.
يتناول مشروع قانون تنظيم الأمن السيبراني حماية الأنظمة والشبكات والبنية التحتية الرقمية، وتنظيم مسؤوليات الجهات المعنية بأمنها، وتعزيز استعداد المؤسسات للتعامل مع الحوادث الإلكترونية، وتنعكس هذه الحماية على حياة المواطن من خلال تأمين معاملاته المصرفية، وصيانة بياناته الشخصية، ودعم استمرارية الخدمات الحكومية والاتصالات.
أما قانون البيانات والذكاء الاصطناعي، فيتناول قواعد البيانات واستخدامها وتبادلها وحمايتها، إلى جانب تنظيم توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتبرز أهميته في توضيح حقوق الأفراد المتعلقة ببياناتهم، وتشجيع الاستخدام المسؤول للتقنيات الذكية، وفتح المجال أمام تطبيقات تدعم البحث العلمي وتطوير الخدمات والأنشطة الاقتصادية.
ويعالج مشروع قانون التحول الرقمي الجانب المؤسسي، من خلال وضع إطار ينظم انتقال الجهات الحكومية إلى العمل الرقمي، ويدعم التكامل بينها وتطوير إجراءاتها وخدماتها، فالتحول الرقمي لا يقتصر على تحويل المعاملات الورقية إلى إلكترونية، وإنما يشمل إعادة تنظيم العمل وتبسيط الإجراءات وتيسير حصول المواطن على الخدمة.
وتتكامل القوانين الثلاثة في بناء بيئة رقمية منظمة، ما يمنح هذه التشريعات أهميتها في مسيرة السودان الرقمية.
ومع تقدير هذه الخطوة، أرى أن هنالك خطوة مهمة لابد أن تعمل عليها وزارة التحول الرقمي والاتصالات وهيئاتها الثلاث وجهاز تنظيم الاتصالات، تتمثل في قيادة حملة وطنية للتعريف بهذه القوانين، بعد استكمال إجراءات اعتمادها من مجلس السيادة والجهات المختصة ودخولها حيز النفاذ.
فالمواطن السوداني يحتاج إلى معرفة مضمون هذه القوانين، والأسباب التي دعت إلى إصدارها، وما تقدمه له من فوائد، وما تكفله من حقوق، وما تحدده من مسؤوليات. كما تحتاج المؤسسات الحكومية والشركات وأصحاب الأعمال إلى فهم الأحكام التي تنظم عملهم، فيما يحتاج الشباب والمطورون ورواد الأعمال إلى التعرف على الفرص التي تتيحها التشريعات الجديدة.
ولا ينبغي أن تقتصر التوعية على نشر نصوص القوانين أو إصدار البيانات الرسمية، فالحملة التوعوية تشمل برامج تلفزيونية وإذاعية مبسطة، ومقاطع توضيحية قصيرة، ولقاءات في الجامعات ومؤسسات التعليم والتدريب، وورش عمل للقطاعين العام والخاص، وأدلة إرشادية بلغة مبسطة، ومن المهم أن تصل هذه البرامج إلى ولايات السودان المختلفة، وأن تراعي تنوع فئات المجتمع ومستويات معرفتهم بالتقنية.
فالتعريف بالقانون يساعد على فهمه، ويهيئ المجتمع والمؤسسات للمشاركة في تطبيقه وتحقيق أهدافه.
إن إجازة مجلس الوزراء لمشروعات القوانين الثلاثة تستحق التقدير، وكذلك كل من ساهم في اعدادها ونتطلع الانتقال إلى مرحلة التطبيق والتوعية، فالقوانين لا تكتمل قيمتها بمجرد صدورها، وإنما بما تحققه من تنظيم للعمل، وحماية للحقوق، وتطوير للخدمات، وما تتركه من أثر ملموس في حياة المواطن.
نريد لهذه القوانين أن تغادر الأدراج إلى واقع العمل، وأن تصبح معروفة للمواطن، ومرجعا للمؤسسات، وأساسا لممارسة رقمية واعية تسهم في بناء مستقبل السودان.

٢ نوفمبر ٢٠٢٦م

اترك رد