توقعات حدوث هزّة ارتدادية إبان الحرب: قراءة في الانقسامات الداخلية وتحوّلات القوى في السودان

يشهد السودان خلال فترة الحرب حالة من الاضطراب العميق الذي تجاوز حدود المواجهات العسكرية المباشرة ليصل إلى بنية المجتمع والدولة، حيث تتشكل ملامح هزّة ارتدادية محتملة داخل الداخل السوداني نتيجة تراكمات سياسية وأمنية وانقسامات حادة بين القوى الفاعلة. فالحرب لم تُنتج فقط واقعاً جديداً على الأرض، بل أعادت تشكيل موازين القوة بطريقة غير مستقرة، ما يجعل أي تغير طفيف في المشهد قادراً على إحداث ارتداد واسع يصعب احتواؤه.
تتجسد احتمالات هذه الهزّة في طبيعة الانقسامات الداخلية التي تفاقمت مع استمرار الحرب. فالقوى السياسية الصلبة، سواء كانت عسكرية أو مدنية ذات نفوذ تقليدي، باتت تتحرك وفق حسابات ضيقة ترتبط بمواقعها داخل الصراع أكثر من ارتباطها بمشروع وطني جامع. ومع غياب الثقة المتبادلة بينها، تتشكل تحالفات مؤقتة سرعان ما تتفكك عند أول اختبار، مما يخلق فراغات سياسية تتسع مع مرور الوقت. هذا التشظي الداخلي يجعل الساحة السودانية أكثر عرضة لارتدادات مفاجئة، خصوصاً عندما تتقاطع مصالح الأطراف المتنافسة داخل المدن والمناطق الحيوية.
كما أن الحرب عمّقت الانقسامات داخل الكتل السياسية نفسها، حيث ظهرت تيارات متباينة داخل كل قوة، بعضها يدفع نحو التصعيد وبعضها الآخر يبحث عن مخرج تفاوضي. هذه الانقسامات لا تضعف فقط قدرة تلك القوى على التأثير، بل تخلق أيضاً مساحات جديدة للتنافس الداخلي، ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً وأقل قابلية للسيطرة. ومع كل انقسام جديد، تتراجع فرص الوصول إلى توافق سياسي حقيقي، وتزداد احتمالات حدوث ارتداد يعيد ترتيب المشهد بطريقة غير متوقعة.
العامل الأمني بدوره يشكل محوراً أساسياً في احتمالية الهزّة الارتدادية إبان الحرب. فوجود قوى مسلحة متعددة بمراكز قرار مستقلة يجعل أي تغير في موازين القوة محفوفاً بالمخاطر. ومع استمرار التوترات في مناطق مختلفة، يصبح المشهد الأمني قابلاً للاهتزاز عند أي تحرك غير محسوب. هذا التداخل بين السياسي والعسكري يخلق بيئة غير مستقرة، حيث يمكن لأي خطوة خاطئة أو تقدير غير دقيق أن يؤدي إلى ارتداد واسع داخل الداخل السوداني، خاصة في ظل غياب قيادة موحدة أو رؤية مشتركة لإدارة المرحلة.
ورغم أن احتمالية حدوث هزّة ارتدادية تبدو قائمة بقوة، فإن الحد من آثارها يظل ممكناً إذا توفرت مقاربة مختلفة تتجاوز ردود الفعل اللحظية. فإعادة بناء الحد الأدنى من الثقة بين القوى الفاعلة تمثل خطوة أساسية، إذ إن غياب الثقة هو المحرك الرئيسي للارتدادات المتتالية. إن خلق قنوات اتصال مستقرة، حتى وإن كانت محدودة، يمكن أن يخفف من حدة التوتر ويمنع الانزلاق نحو مواجهات غير محسوبة، خاصة إذا ارتبطت هذه القنوات بتفاهمات عملية تمنع التصعيد وتضبط الإيقاع السياسي والأمني.
كما أن احتواء الانقسامات داخل القوى السياسية نفسها يمثل ضرورة ملحّة، فالكثير من الارتدادات تنشأ من داخل الكتل قبل أن تنتقل إلى الساحة العامة. معالجة هذه الانقسامات تتطلب مراجعة داخلية صريحة وإعادة ترتيب الأولويات بعيداً عن الصراعات الشخصية أو الحسابات الضيقة. وعلى المستوى الأمني، فإن تقليل مخاطر الهزّة يستدعي ضبطاً واضحاً لمراكز القرار داخل القوى المسلحة، فالتعدد غير المنظم في مراكز القوة يجعل أي ارتداد صغير يتحول إلى موجة واسعة.
ولا يقل البعد الاجتماعي أهمية عن البعدين السياسي والأمني، فالمجتمع السوداني ما زال يمتلك قدرة على تشكيل شبكات تماسك محلية يمكن أن تلعب دوراً في تخفيف آثار أي هزّة. دعم المبادرات المجتمعية وتعزيز دور القيادات المحلية وإحياء آليات المصالحات التقليدية يمكن أن يمنع انتقال الارتداد من مستوى النخب إلى مستوى المجتمع.
إن ما قدمناه من معطيات و توقعات حدوث الهزّة الارتدادية إبان الحرب ليست مجرد احتمال نظري، بل هي نتيجة طبيعية لتراكمات سياسية وأمنية عميقة. لكن خطورتها تكمن في قدرتها على إعادة تشكيل المشهد الداخلي بصورة جذرية إذا لم تُدار بحكمة. والسودان اليوم يقف أمام لحظة فارقة، حيث يمكن للهشاشة الحالية أن تتحول إلى انهيار، ويمكن أيضاً أن تكون فرصة لإعادة ترتيب المشهد بطريقة أكثر توازناً، إذا أدركت القوى السودانية خطورة اللحظة وتعاملت معها بعقلانية تتجاوز الحسابات الضيقة نحو رؤية تحفظ ما تبقى من تماسك داخلي.
محمد الحاج
١٦ يناير ٢٠٢٦م



