الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

بين هدنة الورق ونار الميدان: مفاوضات باكستان على حافة الانفجار الإقليمي!؟

السفير د. معاوية التوم


في لحظة إقليمية مشحونة بالتوتر، لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي لعبته الدبلوماسية الباكستانية في فتح نافذة للحوار وسط هذا المشهد المعقد. فالمكانة التي تحظى بها إسلام آباد، والثقة النسبية التي تملكها لدى أطراف متعارضة، مكنتها من كسر الجمود، وجعل اللقاء ممكنًا بين شخصيات بحجم نائب الرئيس الأمريكي ورئيس البرلمان الإيراني ، في صيغة مباشرة تعكس إدراكًا متبادلًا لخطورة اللحظة.
غير أن هذا الاختراق الدبلوماسي، على أهميته، لا يلغي حقيقة أن أوراق التفاوض ما تزال متباعدة، وأن ما يجمع الأطراف حتى الآن لا يتجاوز عنوانًا عامًا: “وقف العمليات الحربية”، دون اتفاق على ما بعدها.
في هذا السياق، تنعقد مفاوضات باكستان بين أطراف صراع تتحدث بلغة السياسة، لكنها تتحرك بعقلية الميدان. أوراق تفاوضية متقابلة، لكل طرف فيها رؤيته الخاصة، دون أرضية مشتركة حقيقية. وعلى الأرض، تستمر التحركات العسكرية من تحشيد ونقل معدات واستعدادات مفتوحة، توحي بأن الحرب لم تتوقف، بل تغيّر شكلها فقط.
هذه المفاوضات، في جوهرها، لا تبدو مسارًا نحو تسوية بقدر ما تمثل أداة لإدارة الصراع وإعادة ترتيب موازين القوى، حيث يسعى كل طرف إلى كسب الوقت، لا إلى إنهاء الحرب.
مفاوضات بلا أسس: السياسة كغطاء للميدان
من الواضح أن غياب الأسس الصلبة للحوار – كالاتفاق على ترتيبات أمنية، أو ضمانات دولية، أو خارطة طريق سياسية – يجعل من هذه المفاوضات مجرد منصة مؤقتة لتبادل الرسائل. فكل طرف حضر إلى الطاولة وهو ينظر إلى خارجها: كيف يعزز موقعه؟ كيف يستثمر الهدنة؟ وكيف يستعد للجولة القادمة؟
في هذا السياق، تتحول باكستان من وسيط محتمل إلى “مساحة زمنية” تُدار فيها اللعبة، لا تُحسم.
معادلة القوة: السماء لأمريكا والأرض للمناورة
المعادلة العسكرية الحالية تظل مختلة لصالح الولايات المتحدة، التي تحتفظ بسيادة جوية شبه مطلقة، تمنحها القدرة على الضرب والردع والتحكم في مسار التصعيد، وتسعى لإزالة الالغام من المضيق. في المقابل، تدرك إيران أن أي مواجهة مباشرة في ظل هذا التفوق ستكون مكلفة، إن لم تكن خاسرة.
لذلك، تتجه طهران نحو خيار استراتيجي مختلف: بناء منظومات دفاع جوي متقدمة، يُعتقد أن الصين قد تكون شريكًا رئيسيًا فيها. الهدف هنا ليس تحقيق تفوق جوي، بل تقليص فجوة الهيمنة الأمريكية، ورفع كلفة أي ضربة محتملة، والانتقال من موقع “الاستهداف السهل” إلى “الردع النسبي”.
إنها محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك، لا كسرها بالكامل.
لبنان: ساحة الاختبار الحقيقية
بينما تُعقد الاجتماعات وتُتبادل الابتسامات الدبلوماسية، يبقى لبنان تحت النار. وهذا ليس تفصيلًا هامشيًا، بل مؤشرًا حاسمًا على طبيعة المرحلة.
فإذا استمر التصعيد في لبنان، فهذا يعني أن المفاوضات لا تملك سلطة فعلية على الميدان، وأنها منفصلة عن ديناميات الحرب الحقيقية. أما إذا شهدت الجبهة هدوءًا نسبيًا، فقد يكون ذلك أول اختبار جدي لإمكانية تحويل الحوار إلى مسار فعلي للتهدئة. لكن حتى الآن، يبدو أن لبنان يؤدي دور “صمام الضغط”؛ ساحة تُدار فيها المواجهة بشكل غير مباشر، لتجنب الانفجار الكبير.

السيناريوهات المحتملة: بين التجميد والانفجار
في ظل هذه المعطيات، يمكن تصور أربعة مسارات رئيسية:

1.تعثر المسار التفاوضي: لم تعد الهدنة تعكس حالة تهدئة قابلة للبناء عليها، بل دخلت في طور الجمود بعد انسحاب الجانب الأمريكي من طاولة المفاوضات، ما أدى إلى توقف المسار التفاوضي وتبخر الزخم الذي كان قائمًا، مع عودة الشكوك حول جدوى العملية السياسية برمتها.

2.تحول التفاؤل إلى تباعد استراتيجي:
المرحلة التي اتسمت بحذر إيجابي وتفاؤل نسبي، سرعان ما انقلبت إلى حالة من التباعد في الرؤى، خاصة حول القضايا الجوهرية المرتبطة بالأمن الإقليمي، والبرنامج الدفاعي، وترتيبات ما بعد التهدئة، ما عمّق فجوة انعدام الثقة بين الأطراف.

3. إعادة التموضع تحت سقف الخلاف:
بدلًا من استثمار الهدنة لتثبيت مسار سياسي، اتجهت الأطراف إلى إعادة التموضع العسكري والسياسي في ظل غياب التفاهمات، مع تصاعد الاستعدادات غير المعلنة، الأمر الذي يعكس انتقال الصراع من طور التهدئة المؤقتة إلى إدارة صراع مفتوح منخفض الحدة.

4. احتمالات التصعيد المؤجل:
في ظل غياب التوافق وانسداد الأفق التفاوضي، تزداد احتمالات الانزلاق نحو تصعيد مفاجئ، خاصة إذا ما ترافقت التوترات مع حوادث ميدانية في نقاط الاشتباك الحساسة، ما يجعل المشهد أقرب إلى “تعليق الصراع” لا إنهائه، مع بقاء احتمالات الانفجار قائمة في أي لحظة

      ما وراء المشهد: مفاوضات كأداة صراع

      الحقيقة الأعمق أن هذه المفاوضات ليست منفصلة عن الحرب، بل هي امتداد لها بوسائل أخرى. فكما تُستخدم القوة لإعادة تشكيل السياسة، تُستخدم السياسة هنا لإعادة توزيع القوة.
      إيران تسعى إلى كسر أو تحييد التفوق الجوي، الولايات المتحدة تعمل على تثبيته، وإسرائيل تتحرك لضمان عدم تغير قواعد اللعبة. أما الصين وروسيا، فتراقبان وتدعمان من الخلف، في إطار صراع أوسع على شكل النظام الدولي.
      خاتمة: هدنة على حافة الانهيار
      ما يجري اليوم ليس سلامًا مؤجلًا، بل حربًا مُدارة بعناية. هدنة بلا ضمانات، ومفاوضات بلا أسس، وميدان مفتوح على كل الاحتمالات.
      في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: هل ستنجح المفاوضات؟
      بل: متى تفشل، وكيف سيكون شكل الانفجار القادم؟
      وبين طاولة باكستان وسماء التفوق الأمريكي، وأرض المناورة الإيرانية، يبقى الإقليم معلقًا على خيط رفيع، يصعب تجاوزه بجلسة وركام النار يشتعل … خيط قد ينقطع في أي لحظة، والاستياء الاسرائيلي يتمنى عودة الحرب وإطالة أمدها ، وتبقى باكستان متمسكة بالخط الدبلوماسي ومزيد من الوقت .
      —————-
      ١١ أبريل ٢٠٢٦ م

      اترك رد

      error: Content is protected !!