الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

بين الإعلان وقرار التأسيس

د. محمد عبدالرحيم يسن




نثمن إعلان وزارة التحول الرقمي والاتصالات،في الثاني والعشرين من يناير الجاري، عن إعلان الهيئة السودانية للأمن السيبراني، ونعده إشارة إيجابية لأهمية هذا المحور التأسيسي في بناء الدولة الرقمية. فالأمن السيبراني أحد أعمدة السيادة الوطنية، وحماية الاقتصاد، واستقرار الخدمات الحيوية.
غير أن اللافت في هذا الإعلان، رغم أهميته، يحيط به قدر من الغموض، ويفتح الباب لسؤال جوهري لا بد من طرحه بهدوء ومسؤولية….
ما الفرق بين إعلان الإطلاق وقرارات التأسيس؟
ففي البناء المؤسسي الرصين، لا يكون الإعلان نقطة البداية، بل غالبا هو الحلقة الأخيرة في سلسلة تبدأ بإعداد القانون، ثم إجازته، ثم نشره للرأي العام، ليأتي الإعلان بوصفه تتويجا لمسار قانوني ومؤسسي مكتمل المعالم. أما أن يسبق الإعلان، اجازة ونشر القانون وأن يطلب من المواطنين الثقة في كيان لم تعرف بعد صلاحياته، فذلك يعيدنا — دون قصد — إلى منطقة الشعارات أكثر من الانتقال إلى مربع الدولة.
لقد سمعنا، خلال الفترة الماضية، عن قانون يصاغ للهيئة الوليدة، وهو أمر مبشر في ذاته. لكن السؤال المنطقي يظل قائما…
أيهما كان أولى؟
نشر القانون بعد إجازته، وفتح نقاش عام حوله، ثم التعريف بالهيئة، أم الاكتفاء بإعلان عام يترك التفاصيل معلقة؟
هذا السؤال لا يطرح تشكيكا في الكفاءات القائمة على الوزارة، فنحن لا نشك في قدراتها ولا في نواياها، بل ننبه فقط إلى ترتيب الأولويات، لأن التجربة السودانية، للأسف، مليئة بإعلانات مؤسسية لم تجد طريقها إلى الفعل بسبب ضعف الأساس القانوني أو غموض الاختصاصات.
وفي هذا السياق، يحسن التذكير بما أشرنا إليه في عمود سابق نشر في ديسمبر الماضي بعنوان:
«قانون تنظيم عمل الهيئة الوطنية للأمن السيبراني»، حيث أكدنا أن نجاح أي هيئة سيبرانية لا يتحقق بمجرد إعلان إنشائها، بل بقانون محكم يمنحها الصلاحيات، ويحدد سلطاتها، ويحسم التداخل بينها وبين الأجسام القائمة، مثل مركز المعلومات بالمركز القومي للمعلومات، ووحدة «سيرت CERT» بجهاز تنظيم الاتصالات، والمصادقة الإلكترونية.
كما أشرنا آنذاك إلى أهمية الاستفادة من التجارب الإقليمية الناضجة، خصوصا التجربتين السعودية والأردنية، ليس فقط في بناء الهياكل، بل في كيفية تقديم القانون للمجتمع، وضمان توازنه بين حماية الدولة وصون الحقوق الرقمية للمواطن، حتى لا يتحول الأمن السيبراني إلى مظلة فضفاضة تستخدم خارج مقاصدها.
إن الإعلان الأخير، بما تضمنه من عبارات عن “الانتقال من المعالجات المجزأة إلى الحوكمة المؤسسية”، و“توحيد السياسات”، و“بناء القدرات الوطنية”، يعبر عن رؤية صحيحة من حيث المبدأ، لكنه يظل — دون سند قانوني معلن — وعدا أكثر منه فعلا، واتجاها أكثر منه سياسة ملزمة.
ما نحتاجه اليوم ليس مزيدا من الإعلانات، بل وضوحا تشريعيا:
قانون منشور، صلاحيات محددة، تبعية إدارية واضحة، وخريطة طريق معلنة، تضع الأمن السيبراني في مكانه الصحيح كأداة سيادية، لا كمجرد ملف إداري جديد.
فالدولة الرقمية لا تبنى بالإعلانات، بل بالقوانين.
ولا تدار بالنوايا الحسنة وحدها، بل بالحوكمة الصارمة، وترتيب الأولويات، والشفافية مع المجتمع.
وإذا أحسنا هذه الخطوة التأسيسية، فستكون الهيئة الوطنية للأمن السيبراني بالفعل لبنة حقيقية في مشروع السودان الرقمي، لا عنوانا عابرا في زمن كثرت فيه العناوين وقل فيه البناء.

٢٢ يناير ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!