
يخطئ من يعتقد من أبناء كردفان ودارفور من منسوبي المليشيا بأن الحرب التي أشعل نارها حميدتي هي حرب قبلية أو إثنية ،فالسؤال الأهم هل هناك أي جسم قبلي يدير الدعم السريع قبل الحرب أم أن الدعم السريع هو الذي سعى إلى السيطرة على القبائل عبر الإدارات الأهلية في كل السودان وإخضاعها لهواه ؟ ويحضرني هنا قول المك الراحل عجيب الذي أعلن رفضه الاتفاق الإطاري المشعل للحرب عندما طلب منهم تأييده وقال لحميدتي ( كل الليك عندنا بوكس وهاك شيلو ) .الدعم السريع جند في السنوات التي سبقت الحرب من كل أبناء القبائل من كل السودان ،لكن لماذا كان مدخله في التجنيد القبيلة والإدارة الأهلية بحيث تمنح فرص التجنيد وتأتي الكشوفات عبر رجال الإدارة الأهلية ؟ هل كان ذلك توظيفا للدعم السريع لمصلحة القبيلة أم توظيفا للقبيلة لمصلحة الدعم السريع ؟
هل كان جنود الدعم السريع قبل وأثناء الحرب يخضعون لتعليمات قبائلهم أم لتعليمات آل دقلو الذين يتسنمون قيادة القوات الإدارية والمالية والعسكرية ويندر أن يشاركهم في ذلك من ليس منهم إلا أن يكون محظيا مدجنا لسلطتهم .
في تقديري أن القبائل لم تكن تعني للدعم السريع أكثر من كونها مواعين سيطرة وتأثير على المجتمع في الحالتين السياسية ،حيث كان قائد المليشيا يخطط للترشح في أقرب انتخابات، أو مستودعات للتجنيد وتعويض الخسائر البشرية في صفوف المليشيا في حالة الحرب .وقد سعت المليشيا قبل الحرب إلى امتلاك تأثير آخر عبر شيوخ بعض الطرق الصوفية .
أما عن الدوافع القبلية فهي مجرد وقود يستخدمه الدعم السريع في التحشيد والتعبئة لخدمة أجندة تم التخطيط لها خارجيا ،وهناك مراكز تفكير ودراسات فصلت كل شيء لينفذه آل دقلو في حرب الوكالة هذه .
فلننظر لمستويات التعبئة أولاً تمت تعبئة حميدتي من قبل المخطط الخارجي بأنه سمو الأمير الذي يحكم السودان كإمارة وملك عضود ، وجرى ترسيخ وإرساء لهذا اللقب وقد سمعنا كلمة الأمير تقال له كثيراً قبل الحرب ،وتمت تعبئة آل دقلو بأنهم الأسرة المالكة .
في بداية الحرب وربما قبلها بأيام جرى تعميم خطاب تعبوي من قيادة المليشيا ،فالظهور الطاغي للخطاب المحفوظ عند جنودها على الوسائط لحظة اندلاع الحرب يعني أنه تنوير ألقي عليهم قبيل الحرب ، بأنكم مهمشون وأن السودان يحكمه ثالوث من قبائل معينة في شمال السودان، وأن دولة ٥٦ هذه ليست دولة تعطينا حقوقنا نحن أبناء السودان من غير القبائل الثلاث ،ففي هذا الخطاب تناقضات كثيرة، فدولة ٥٦ التي ربما يقصدون بها حكومة ٥٦ وما تمخض عنها من مؤسسات وطنية هي من صنيعة كل الذين يزعمون أنهم مهمشون في سودان اليوم ،فصاحب مقترح اعلان الاستقلال دبكة من دارفور والمثني له سهل من كردفان و أول رئيس وزراء الأزهري من كردفان وسندها من الحزبين الكبيرين ومن طائفتي الأنصار والختمية هم من كل أرجاء السودان لا سيما غربه وشرقه.ومع ذلك يخصون أبناء كردفان ودارفور بأنهم مهمشون دون غيرهم في مستوى آخر للتعبئة التي هي طبقات فوق طبقات من التأجيج التي يراد بها شحن كل شخص وتحريض دوافعه بجهته أو اثنيته أو قبيلته .وخطاب دولة ٥٦ والثالوث النيلي هذا هو نفس الخطاب الذي تمت به تعبئة جنود الحركات التي تمردت في دارفور في ٢٠٠٣م و التي ظل الدعم السريع يقاتلها في صف الجيش حتى تاريخ التوقيع على اتفاق جوبا للسلام في ٢٠٢٠ م،فكيف يحمل الدعم السريع نفس الخطاب الذي ظل يقاتل حامله ببندقيته ليقاتل من أجله اليوم؟
كيف تلتقي تعبئة جهوية أو إثنية أو قبلية عشية الحرب ،مع ظهير سياسي للتمرد ( قحت) تم تعميم خطابه أيضاً في محاربة الكيزان والفلول ،وتيار الحرية والتغيير هذا هو نفسه مستهدف بخطاب ٥٦ ؟!
يأتي مستوى آخر تمت فيه تعبئة أبناء القبائل العربية في الدعم السريع بأنكم مهمشون، وآن لكم أن تحكموا متجاوزين بذلك عشرات القبائل الأخرى التي جندو من أبنائها من كانوا يقاتلون معهم من كل ربوع كردفان ودارفور .ثم تأتي طبقة أخرى من التعبئة يخصون فيها منسوبي المليشيا من قبائل العطاوة الرئيسة الثلاث (الرزيقات والمسيرية والحوازمة ) بأننا بصدد إنشاء دولة العطاوة متآمرين في ذلك على بقية قبائل كردفان ودارفور بما فيها العربية .
هكذا تضيق دائرة التعبئة والوعد بالسلطة والصولجان شيئاً فشيئا حتى تصبح في خطابهم أنها لمقاتليهم من أبناء الرزيقات، ثم تضيق بالرزيقات لتسع الماهرية فقط ثم تضيق بالماهرية من غير أولاد منصور ثم تضيق بالجميع لتسع من حيث ابتدأت آل دقلو فقط .
فالعاقل من قلب الأمور وأجال فيها النظر ليصل إلى حقيقة المليشيا التي أصبحت اليوم ظاهرة للعيان لا تحتاج فحصا مجهريا.فهي مجرد مخلب قط تدير حرباً بالوكالة إنابة عن دول خارجية لمصلحة خارجية هدفها الأساس هو إخضاع السودان عبر تفكيكه وتخريب بنيته الاقتصادية وتمزيق نسيجه الاجتماعي ،وفي المخططات هذه أول ما يستهدف هو قبائل السودان المشتركة مع دول غرب أفريقيا ومن ضمنها بعض القبائل العربية لأن المخططات الغربية تعمل على محاصرة انتشار الثقافة الإسلامية والعربية في منطقة الساحل الإفريقي، وتعزيز الثقافة الفرانكفونية في تشاد وأفريقيا الوسطى والنيجر ومالي مروراً إلى الساحل الغربي للقارة ،فالزج بهذه المجموعات لمناصرة مكوناتها في السودان إما أن يعمل على نقل هؤلاء ( العرب فون ) إلى السودان لصالح المجموعات المتماهية مع الثقافة الفرانكفونية في دول غرب أفريقيا التي ستخلو لها تلك الدول لتنفرد بها، أو يقضى على (العرب فون) بالحروب إن فشلوا ويضيق عليهم بتصعيب تنقلهم عبر الحدود وبالصراعات مع من حولهم من السكان .
حاشية :
المحصلة اليوم أن آل دقلو قد ضربوا القبائل ببعضها البعض ،بل وحتى داخل القبيلة الواحدة أراقوا الدماء بحجة أن هذا فلنقاوي لا يجب أن يكون بينكم ،ودجنوا الإدارات الأهلية فمن صمت أو قاوم التحدث باسم قبيلته جرت ملاحقته وتم تكوين أجسام موازية له تتولى الحديث باسم القبيلة ، فالزج باسم القبيلة لم تستشار فيه نخبها ولم تجمع عليه القبيلة ،كما أن منسوبي الدعم السريع من أي قبيلة كانت إنما هم تحت مسؤولية المليشيا في التصرفات ولا يحق لهم التصرف باسم القبائل والإساءة إليها بسلوكهم تبعاً للتعبئة التي شحنتهم بها المليشيا ، إن النظام المتوارث للإدارة الأهلية أصبح غير معبر عن إرادة منسوبيها إلى جانب الترغيب والترهيب الذي مارسته المليشيا على الإدارة الأهلية بمن فيهم الذين ركبوا سفينة حربها بالتأييد الصريح في البداية ثم لم يجدوا اليوم مهربا من سفينتها الغارقة .فالمحصلة اليوم أن ليس هناك قبيلة جنت خيراً من هذه الحرب سوى خسارة من يتعايشون معها من حولها واجترار المآسي والمرارات.
أما آن لأبناء القبائل التي يقاتل الدعم السريع باسمها أن تفيق وتعلي من صوتها وتتقدم المجموعات الصامتة خوفاً من البطش أو ضعف الاستجابة لخطابها العقلاني لسحب منسوبيها من المقاتلين ،فالتاريخ والمسؤولية الدينية والوطنية لا ترحم الغياب عن الانتصار للحق قبل فوات الأوان الذي أزف .





