الكتلة الحرجة / ود البلد

المضايق في زمن الحرب غير المتكافئة: لماذا يصعب تأمين مضيق هرمز؟

في موضعين سابقين في هذه الزاوية تناولنا الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران من زاويتين متكاملتين.
الأولى كانت أهمية المضايق الاستراتيجية في النظام البحري العالمي، وكيف يمكن لتهديد ممر واحد مثل مضيق هرمز أن يهز شبكة الطاقة والتجارة الدولية.
أما الثانية فكانت البعد العملياتي للصراع، أي دور السيطرة الجوية في حماية الملاحة وتوفير الغطاء للأساطيل البحرية.
لكن تطورات الأيام الأخيرة كشفت حقيقة أكثر تعقيدًا مفادها أنه حتى مع التفوق العسكري الكبير، قد يكون تأمين المضيق نفسه مهمة أعقد بكثير مما يبدو في التصريحات السياسية.
فالمشكلة في حروب المضايق الحديثة ليست فقط من يسيطر على البحر، بل من يستطيع أن يجعل المرور فيه آمنًا.

المضيق المفتوح والخطر الكامن:

مع بداية التصعيد العسكري في أواخر فبراير ٢٠٢٦، تراجعت حركة الشحن في مضيق هرمز بنسبة تُقدَّر بنحو ٧٠٪ في الأيام الأولى (حتى نهاية ٢٨ فبراير)، وفق تقديرات منصات تتبع السفن مثل MarineTraffic وKpler، ثم تدهورت إلى انخفاض يقارب ٩٠-٩٥٪ أو أكثر في الأيام اللاحقة، مع اقترابها من التوقف التام في بعض الفترات (عبور ١-٤ سفن فقط يوميًا في أغلب الحالات، وأحيانًا صفر أو سفن إيرانية فقط، مقارنة بمتوسط ١٠٠-١٢٠ سفينة يوميًا قبل التصعيد).
لم يكن المضيق مغلقًا رسميًا، لكن حالة عدم اليقين الأمني والتهديدات كانت كافية لإبطاء حركة التجارة العالمية بشكل دراماتيكي.
في ٣ مارس أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن البحرية الأمريكية مستعدة لمرافقة ناقلات النفط عبر المضيق إذا لزم الأمر، في محاولة لطمأنة الأسواق وشركات الشحن.
غير أن هذا الإعلان السياسي سرعان ما واجه واقعًا عملياتيًا أكثر تعقيدًا.
ففي ١٠ مارس أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن بحرية الولايات المتحدة لم ترافق أي ناقلات حتى ذلك الوقت، وأنهم مازالوا يدرسون خيارات إضافية دون جدول زمني محدد، بعد حذف منشور لوزير الطاقة كريس رايت ادعى فيه مرافقة ناقلة قبل ساعات.
كما أشارت تسريبات من قطاع الشحن إلى أن البحرية الأمريكية أبلغت بعض الشركات بصعوبة تنفيذ عمليات مرافقة واسعة في الظروف الأمنية الحالية.
هذا التردد يعكس حقيقة عسكرية متجددة، هى أن تأمين المضيق شيء، وضمان المرور الآمن لكل سفينة شيء آخر تمامًا.

من دروس التاريخ : عندما أصاب اللغم أول قافلة:

ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها الولايات المتحدة معضلة حماية الملاحة في الخليج.
فخلال الحرب العراقية – الإيرانية في الثمانينيات أطلقت واشنطن عملية “إرنست ويل” البحرية لمرافقة ناقلات النفط الكويتية في الخليج.
لكن في أولى القوافل عام ١٩٨٧ اصطدمت الناقلة الأمريكية “بريدجتون”بلغم بحري أثناء عبورها الخليج.
والمفارقة أن السفن الحربية الأمريكية اضطرت بعد الحادث إلى الإبحار خلف الناقلة المتضررة لتفادي الألغام المحتملة.
أصبحت تلك الحادثة مثالًا كلاسيكيًا في الدراسات البحرية لحقيقة أن مرافقة السفن لا تمنع اللغم الذي زُرع في قاع البحر قبل ساعات.
ولهذا السبب حرصت إيران في تصريحاتها الأخيرة على التذكير بتلك الحادثة، في رسالة واضحة مفادها أن تحويل المضيق إلى منطقة احتكاك مباشر قد يكون جزءًا من معادلة الردع.

الألغام البحرية: السلاح التكتيكى و الأثر الاستراتيجى:

في الحروب البحرية الكبرى قد تحسم المعارك بين الأساطيل، لكن في المضايق الضيقة يظهر سلاح أكثر بساطة وتأثيرًا وهو الألغام البحرية.
زرع اللغم قد يستغرق دقائق فقط، لكن اكتشافه وإزالته قد يتطلب أيامًا أو حتى أسابيع من عمليات المسح بالسونار والغوص العسكري المتخصص واستخدام المركبات غير المأهولة.
وفي الأيام الأخيرة (مارس ٢٠٢٦)، أفادت تقارير أمريكية بأن إيران بدأت بزرع عشرات الألغام في المضيق (بضع عشرات حتى الآن)، مع احتفاظها بقدرة على نشر مئات أو آلاف أخرى من مخزونها المقدر بآلاف الوحدات، مما يجعل عمليات المسح والإزالة مهمة طويلة الأمد تحت التهديد المستمر (وقد دمرت القوات الأمريكية عشرات السفن الإيرانية المخصصة لزرع الألغام).
ولذلك فإن اللغم البحري يمثل أحد أكثر الأسلحة فاعلية في ما يُعرف باستراتيجية “حرمان الخصم من استخدام البحر”.
فالدولة التي لا تستطيع السيطرة على البحر قد تنجح مع ذلك في جعل استخدامه مكلفًا وخطرًا.

حرب منخفضة التكلفة وتأثير مرتفع:

تتضح هنا مفارقة اقتصادية مهمة في الحروب غير المتكافئة.
فالولايات المتحدة تستخدم في عملياتها طائرات شبحية وصواريخ دقيقة وحاملات طائرات، وهي منظومات باهظة الكلفة.
وقد قدّرت تقارير البنتاجون تكلفة اليومين الأولين من العمليات العسكرية ضد إيران بنحو ٥٫٦ مليار دولار في الذخائر وحدها، مع تقديرات تكلفة يومية تصل إلى مليار دولار أو أكثر.
في المقابل، يمكن لأدوات أبسط بكثير – مثل الألغام البحرية أو الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة – أن تفرض على الطرف الأقوى إنفاق مبالغ ضخمة لتأمين الممرات البحرية.
وبذلك تتحول المعركة في المضيق إلى صراع بين ميزانيتين: ميزانية التكنولوجيا المتقدمة، وميزانية التعطيل منخفض التكلفة.

حرب الاستنزاف في البحر:

هذه المعادلة تفسر جانبًا من الاستراتيجية التي قد تعتمدها القوى الأضعف في مثل هذه المواجهات.
فالهدف لا يكون دائمًا الانتصار العسكري المباشر، بل إطالة أمد الصراع ورفع تكلفته الاقتصادية والسياسية على الخصم.
في هذا النوع من الحروب، لا يُقاس النجاح بعدد السفن التي أُغرقت، بل بمدى ارتفاع أقساط التأمين البحري، وبعدد السفن التي تؤجل رحلاتها أو تغير مساراتها.
وقد يكفي حادث واحد فقط لإرباك السوق العالمية.

المضايق كساحة ضغط دولي:

لكن تأثير اضطراب المضيق لا يتوقف عند أطراف الصراع المباشرين.
فمضيق هرمز ليس مجرد ممر إقليمي، بل عقدة في شبكة الاقتصاد العالمي.
تعطيل الملاحة فيه يضغط على شركات الطاقة وشركات الشحن وأسواق التأمين، ويؤثر في الدول المستوردة للطاقة في آسيا وأوروبا على حد سواء.
وهكذا تتحول الحرب في المضيق إلى شكل من أشكال الإكراه غير المباشر، حيث لا يُمارس الضغط على الخصم وحده، بل على كل من يعتمد على هذا الممر الحيوي.

خاتمة: البحر الذي يصعب تأمينه:

تكشف تجربة مضيق هرمز مرة أخرى عن مفارقة استراتيجية قديمة متجددة، و هى أن القوة البحرية ربما تكون قادرة على فتح البحار، لكنها لا تستطيع دائمًا ضمان بقائها آمنة بالكامل فى كل وقت.
ففي المضايق الضيقة، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الاقتصاد ومع حسابات الردع، يمكن لأدوات صغيرة أن تعطل نظامًا بحريًا هائلًا.
وبالتالي، يظل مضيق هرمز – رغم تفوق الولايات المتحدة – ساحة تثبت أن السيطرة الجوية والبحرية لا تكفي دائمًا لتحويل “الممر المفتوح” إلى “ممر آمن” في وجه استراتيجية التعطيل غير المتكافئة.
لهذا السبب قد يبقى المضيق مفتوحًا رسميًا، لكن المرور فيه يتحول إلى مخاطرة تستدعى حسابات.
وفي عالم يعتمد اقتصاده على حركة السفن والطاقة، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو من يسيطر على البحر، بل من يستطيع أن يجعل استخدامه آمنًا.

اترك رد

error: Content is protected !!