الرواية الأولى

نروي لتعرف

من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

الفخّ الأمريكي لاستعادة السيطرة على العالم

محمد الحاج

• تفكيك خمس دول في الشرق الأوسط ودفعها إلى صراعات داخلية طويلة

• إشعال حروب داخل العمق العربي والأفريقي لتكوين “كارتيلات حرب” تُستخدم لزعزعة الاستقرار

• دخال روسيا في حرب استنزاف طويلة

• إشغال الاتحاد الأوروبي بالحرب الروسية الأوكرانية وتهديدات الطاقة والأمن

قطع خطوط الإمداد بين فنزويلا والصين لإضعاف قدرة بكين على المناورة

• استخدام أموال الخليج في تمويل القوة العسكرية الأمريكية عبر صفقات السلاح

• وضع الحلفاء في الخليج تحت ضغط متصاعد لفرض دور “الشرطي الأمريكي” عبر إسرائيل

• توظيف إيران كطُعم في لعبة النفوذ لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية

• خلق مكاسب اقتصادية ضخمة عبر الذهب والطاقة والمعادن لتغطية العجز في الميزانيات ومنع انهيار الدولار

• دخول الولايات المتحدة لاحقًا كقوة “منقذة” بعد صناعة الأزمة نفسها

هذه النقاط مجتمعة تشكّل الإطار العام لما يمكن وصفه بـ«الفخّ الأمريكي» أو «عملية الاحتيال الجيوسياسي الكبرى» لفرض الهيمنة الأمريكية الاقتصادية والعسكرية على العالم.
فمنذ مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بدأت الولايات المتحدة في تكريس فلسفة استراتيجية جديدة تقوم على إعادة الإمساك بمفاصل الشرق الأوسط والعالم عبر هندسة الأزمات واستثمار الصراعات. فقد تم دفع المنطقة نحو مزيد من الصراعات طويلة الأمد لخلق فراغات أمنية تُستخدم لاحقًا لإعادة فرض النفوذ وإضعاف البنى التقليدية للمنتظم الدولي.

إن هذه الخطوات التي تمت لم تكن منفصلة، بل كانت حلقات في سلسلة واحدة تُدار بعناية، وتُقدَّم للعالم على أنها تفاعلات طبيعية، بينما هي في الحقيقة جزء من فخّ استراتيجي محكم، هدفه إعادة صياغة المنطقة لاستعادة الهيمنة الأمريكية عليها. لذلك فإن المرحلة الحالية للمشروع والتي يجري تنفيذها، ستكون من المراحل الأكثر تعقيدًا، حيث تستهدف هذه المرحلة إعادة ترتيب الشرق الأوسط والعالم الغربي معًا عبر إدارة الأزمات بدلًا من خوضها. فقد ابتدأت هذه المرحلة بإدخال القوة العسكرية والاقتصادية الكبرى في حرب استنزاف كخطوة محورية في هذه المرحلة. فالحرب الروسية الأوكرانية لم تُنهك موسكو فقط، بل حدّت من قدرتها على لعب دور مؤثر في الشرق الأوسط، ودفعتها إلى الانكفاء على جبهتها الأوروبية. ومع انشغال روسيا، أصبح المجال مفتوحًا أمام واشنطن لإعادة ترتيب المنطقة دون منافسة مباشرة.

وفي الوقت ذاته، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه غارقًا في تداعيات الحرب الروسية ابتداءً من أزمة الطاقة، التضخم، التهديدات الأمنية، والاعتماد المتزايد على المظلة الأمريكية، كلها عوامل جعلت أوروبا أقل قدرة على لعب دور مستقل. هذا الانشغال الأوروبي خلق فراغًا استراتيجيًا سمح لواشنطن بالتحرك بحرية أكبر، دون الحاجة إلى التنسيق أو مواجهة اعتراضات من حلفائها التقليديين.

أما الاستيلاء على فنزويلا فقد جاء لهدفين: الأول قطع خطوط الإمداد بينها وبين الصين، فقد شكّل جزءًا من استراتيجية تطويق بكين اقتصاديًا. فالصين التي تسعى إلى تأمين مصادر طاقة مستقرة خارج النظام المالي الغربي تجد نفسها أمام ضغوط متزايدة. كلما ضاقت خيارات بكين، زادت حاجتها للتفاهم مع واشنطن، وهو ما يعزز قدرة الولايات المتحدة على فرض شروطها في ملفات الشرق الأوسط.
أما الهدف الثاني فهو تأمين إمدادها بالنفط الخام في حالة حدوث أي قطع في سلاسل الإمداد من منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما قد أشار إليه الرئيس الأمريكي في معظم تصريحاته بأن نفط فنزويلا سوف يكون لأمريكا.

وفي قلب هذه الاستراتيجية، يظهر الخليج كمصدر تمويل مباشر للقوة العسكرية الأمريكية. فصفقات السلاح الضخمة، والإنفاق الأمني المتزايد، يشكلان رافدًا ماليًا مهمًا للجيش الأمريكي. هذا التمويل لا يأتي عبر الضرائب الأمريكية، بل عبر ما يمكن وصفه بـ”مال الجباية” من المنطقة، حيث تُستخدم التهديدات الإقليمية لتبرير صفقات بمليارات الدولارات.

كذلك نجد أن الضغوط الحالية التي تم ممارستها على الحلفاء سواء الأوروبيين أو الخليجيين ليست منفصلة عن هذا السياق. فإعادة تثبيت دور “شرطي العالم ومساعده” في المنطقة يتطلب خلق بيئة أمنية تجعل الحلفاء بحاجة دائمة للحماية من أمريكا. وهنا يظهر الدور الإسرائيلي كذراع أمنية متقدمة، تُستخدم لفرض توازنات جديدة، وتثبيت النفوذ الأمريكي عبر شريك محلي قوي.

وفي سياق موازٍ، يجري حالياً استخدام إيران كطُعم في لعبة النفوذ. فإيران كانت تُقدَّم كخطر دائم، يُستخدم لتبرير الوجود العسكري الأمريكي، ولتعزيز التعاون الأمني بين واشنطن وحلفائها، ولتسريع عمليات إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية. بهذا الشكل، أمّا الآن فقد تغيرت الاستراتيجية وجُرى تحويل إيران من خصم إلى أداة، ومن تهديد إلى وسيلة لإعادة ترتيب المنطقة حسب الرؤية الأمريكية الإسرائيلية للمنطقة وذلك بعد الفتك بمحور المقاومة.

أما في العمق العربي الأفريقي، تتخذ الاستراتيجية شكلًا أكثر تعقيدًا من خلال إستراتيجية حروب الوكالة. إذ تركزت الجهود على خلق حروب داخلية وصراعات ممتدة، تُنتج ما يمكن وصفه بـ”كارتيلات حرب”: مجموعات مسلحة، أمراء حرب، شبكات تهريب، وميليشيات محلية تُستخدم كأدوات لزعزعة الاستقرار. هذه الكارتيلات لا تنشأ صدفة، بل تتغذى على الفراغ الأمني، وتتحول إلى قوى أمر واقع تُعيد تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي. ومع تفاقم الفوضى، تتقدم الولايات المتحدة لاحقًا كقوة سياسية وعسكرية “منقذة”، لتسوية الصراع بعد أن تكون قد رسخت مبررات وجودها عبر الترهيب العسكري واستعراض القوة.

ومع كل هذه التحركات، يبرز سؤال جوهري حول الأسلوب الذي تتبعه أمريكا ترامب اليوم في إدارة هذا المشهد. العديد من المحللين يرون أن ترامب يميل إلى استخدام أسلوب قريب من استراتيجية كيم جونغ أون: التصعيد اللفظي، التهديد بالقوة، خلق حالة خوف عالمي، ثم فرض شروطه من موقع قوة دون الدخول في حرب مباشرة. إنها سياسة “الجنون المحسوب”، حيث يبدو القائد مستعدًا للذهاب إلى أقصى الحدود، بينما يظل الهدف الحقيقي هو انتزاع مكاسب سياسية واقتصادية.

لكن هذا الأسلوب يحمل مخاطرة كبرى: ماذا لو انفرط العقد؟
ماذا لو خرج التصعيد عن السيطرة؟
ماذا لو أدى سوء تقدير أو خطأ في الحسابات إلى استخدام السلاح النووي؟

السلاح النووي ليس مجرد سلاح، بل نهاية محتملة للنظام الدولي كما نعرفه. أي استخدام له – حتى لو كان محدودًا – سيخلق سلسلة من الردود المتتابعة التي قد لا يستطيع أحد إيقافها. في عالم يمتلك فيه عدة أطراف القدرة النووية، فإن خطأ واحدًا قد يكون كافيًا لإشعال كارثة لا يمكن احتواؤها.

السؤال الذي يطرحه هذا السيناريو ليس سياسيًا فقط، بل وجودي:
هل سيبقى هناك عالم إذا انفلت السلاح النووي من يد أي قوة كبرى؟
الجواب الذي يتفق عليه معظم الخبراء هو أن العالم لن يختفي بالكامل، لكنه لن يبقى العالم الذي نعرفه. ستنهار الأنظمة، ستتغير الخرائط، وستدخل البشرية في مرحلة مظلمة لا يمكن التنبؤ بنتائجها.


٢٥ يناير ٢٠٢٥

اترك رد

error: Content is protected !!