الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

السودان والسعودية ما بين كلفة التردد وثمار الحسم في إدارة النزاعات

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

لم تعد قضايا الأمن القومي في الإقليم تُدار بمنطق ردّ الفعل أو سياسة التوازنات الرمادية، بل باتت تُدار وفق معادلة واضحة؛ فالدولة التي تتردد تُستباح، والدولة التي تحسم مبكرًا تُجنِّب نفسها الانفجار المتأخر. وما تشهده الساحة اليمنية مؤخرًا من تحركات سعودية محسوبة، إدارية وسياسية وعسكرية، يقدم نموذجًا عمليًا لكيفية تعامل الدولة مع تهديدات مركبة تمس سيادتها وأمنها الاستراتيجي، في مقابل ما كان يمكن – وما يزال يمكن – أن تفعله القيادة السياسية والعسكرية في السودان لو أُحسن تقدير الموقف.

شهدت اليمن خلال الأسابيع الأخيرة تطورات ميدانية وسياسية حساسة، تمثلت في تحركات عسكرية لقوات غير منضبطة الولاء في مناطق استراتيجية، وتصاعد نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا خارج إطار الدولة الشرعية، إلى جانب محاولات فرض أمر واقع أمني وسياسي يتجاوز التفاهمات السابقة.
هذه التطورات لم تكن مفاجئة لصانع القرار السعودي، لكنها شكّلت اختبارًا حاسمًا بين ترك الأمور تتفاقم، أو التدخل المبكر والحاسم.

لكن قيادة المملكة العربية السعودية اختارت مسار الحسم بلا ضجيج، وهو أخطر أشكال القوة؛ لأنه لا يمنح الخصم فرصة صناعة سرديته أو تحويل الوقائع إلى ابتزاز سياسي أو إعلامي، و تبعًا لذلك اتخذت عدة اجراءات و ترتيبات إدارية، سياسية، وعسكرية.
فإداريًا؛ قامت السعودية بإعادة ضبط العلاقة مع الشرعية اليمنية، عبر التأكيد الصارم على مرجعية الدولة الشرعية دون وسطاء، ورفض التعامل مع أي تشكيلات مسلحة خارج إطار الحكومة المعترف بها. كما أعادت ترتيب قنوات الاتصال والتنسيق الأمني بشكل مباشر مع القيادة الشرعية، بما يعيد مركزية القرار ويغلق مسارات الالتفاف.
وسياسيًا؛ عملت المملكة على ترسيم الخطوط الحمراء، بإيصال رسائل واضحة مفادها أن وحدة القرار السيادي اليمني غير قابلة للتجزئة. وتعاملت مع المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه فاعلًا محليًا لا بديلًا عن الدولة، مع تحجيم أي أدوار إقليمية تتقاطع مع الأمن القومي السعودي عبر أدوات سياسية مدروسة، لا عبر السجالات الإعلامية أو التصعيد الخطابي.
وعسكريًا؛ اتبعت السعودية ما يُعرف بالردع الوقائي، من خلال نشر القوات البحرية الملكية السعودية في بحر العرب. ولم يكن هذا الانتشار خطوة استعراضية، بل استهدف تأمين خطوط الملاحة، ومنع أي محاولات لفتح جبهات بحرية موازية، وقطع الطريق أمام أي تصعيد غير محسوب. كما جاء في إطار دعم القوات النظامية الشرعية على الأرض بشكل انتقائي، يمنع الانهيار دون الانجرار إلى فوضى مفتوحة.

السعودية هنا لم تنتظر اكتمال المشهد، بل أغلقت مسارات الخطر قبل أن تتشابك. وما فعلته المملكة يؤكد حقيقة مركزية في علم الدولة والأمن القومي، مفادها أن الدولة لا تفاوض في قضايا أمنها القومي، وأن الحسم المبكر أقل كلفة من المعالجة المتأخرة، وأن التردد في قضايا السيادة أخطر من الخطأ في التقدير. فالدولة القوية ليست تلك التي تستخدم القوة دائمًا، بل تلك التي تُقنع خصومها بأن القوة خيار حاضر إن لزم الأمر.

وفي هذا السياق، لا تُستدعى الممارسة السعودية بوصفها نموذجًا قابلًا للاستنساخ، بل بوصفها مثالًا على منطق إدارة الدولة لأمنها القومي حين تُدرك لحظة الخطر وتتصرف وفق مقتضياتها. ومن هذا المنطلق، تفرض المقارنة مع الحالة السودانية نفسها لا للمفاضلة، بل لاستخلاص الفارق بين الحسم المؤجل والحسم المبكر. وهذا النموذج في إدارة التهديدات لا يُطرح للمقارنة الشكلية، بل لقياس كلفة القرار حين يُتخذ في وقته مقابل كلفة التردد حين يُترك الخطر يتضخم. وهنا تحديدًا تبرز الحالة السودانية بوصفها المثال الأكثر إيلامًا لثمن التأخير السياسي في قضايا السيادة. ومن هذا المنظور، تصبح المقارنة مع الحالة السودانية ضرورية لا بوصفها مقارنة بين دولتين، بل بين قرار حُسم في وقته وقرار تأخر حتى انفجر.

وعند المقارنة بالحالة السودانية، فإن ما كان يجب فعله قبل اندلاع الحرب يتمثل في تفكيك المليشيات تدريجيًا وفق جدول زمني مُعلن ومدعوم سياسيًا، ومنع ازدواج السلاح والقرار العسكري دون مواربة، وتحجيم التضخم الاقتصادي والعسكري والمجتمعي للمليشيا قبل أن تتحول إلى دولة داخل الدولة. وكان جوهر هذا الإخفاق سياسيًا في المقام الأول، لا عسكريًا، بسبب غياب قرار سيادي حاسم في لحظته المناسبة.
أما بعد اندلاع الحرب، فإن ما لم يُحسم مبكرًا تمثل في التأخر في إعلان طبيعة الصراع للرأي العام المحلي والدولي، وترك مساحات رمادية في الخطاب السياسي سمحت بإعادة تدوير المليشيا إعلاميًا. حدث ذلك في ظل غياب قرار سياسي صارم يُسند القرار العسكري بلا تردد أو حسابات جانبية.
وحتى الآن، فإن ما يجب إدراكه هو أن الحرب لم تعد عسكرية فقط، بل سيادية وجودية، وأن أي تهاون في الحسم السياسي سيُطيل أمد الصراع مهما تحقق ميدانيًا.

إن الدرس الأهم الذي تفرضه التجربتان اليمنية والسودانية على صانع القرار في الخرطوم هو أن الحسم السياسي لم يعد ترفًا ولا خيارًا قابلًا للتأجيل، بل شرطًا وجوديًا لبقاء الدولة. فإدارة الصراع لا تكتمل بإدارة المعركة ميدانيًا وحدها، بل تتطلب إعلانًا صريحًا لطبيعة الحرب بوصفها معركة سيادة ودولة، لا نزاعًا قابلًا للمساومات أو إعادة التعريف. كما أن إغلاق المساحات الرمادية في الخطاب السياسي والإعلامي، وربط القرار العسكري بإرادة سياسية واضحة ومعلنة، يمثلان حجر الزاوية في تقليص كلفة الحرب ومنع خصوم الدولة من إعادة التموضع محليًا أو خارجيًا. إن كل تردد في هذه المرحلة لا يشتري وقتًا، بل يمنح الخصم شرعية زمنية إضافية ويُراكم كلفة سياسية وإنسانية أكبر على الدولة والمجتمع.

وتظل أعظم الدروس المستخلصة مما جرى ويجري في السودان واليمن، أن الدولة تُنقذ نفسها بالحسم. فالأمن القومي لا يُدار بالتمنيات ولا بالمجاملات، والتردد يولّد الفوضى، والفوضى تستدعي التدخلات الخارجية. كما أن الحسم الحكيم لا يعني التهور، بل وضوح الرؤية وسرعة القرار. والدولة التي تتأخر في حماية نفسها ستُضطر لاحقًا لدفع ثمن أكبر، سياسيًا واجتماعيًا وإنسانيًا.

ليست العبرة في امتلاك القوة، بل في امتلاك الإرادة لاستخدامها حين يجب. لقد قرأت السعودية خارطة الأحداث اليمنية قراءة استراتيجية، فأغلقت باب الانفلات قبل أن يتحول إلى حريق شامل. أما السودان، فما زال أمامه – رغم الكلفة الباهظة – فرصة لإعادة تعريف معركته بوصفها معركة دولة لا معركة سلطة. فالدول لا تسقط فجأة، بل تسقط حين تتردد طويلًا.

السبت 3 يناير 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!