هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

الحرب الثلاثية وضرورة تعزيز الأمن القومي العربيقراءة في التحديات المتشابكة ومقتضيات الاستجابة العربية!؟

السفير د. معاوية التوم


يشهد النظام الإقليمي العربي في السنوات الأخيرة، وفي هذه اللحظة الفارقة تحولات عميقة ومتسارعة، بفعل تداخل الحروب التقليدية مع أنماط جديدة من المواجهات و الصراع السياسي والاقتصادي والتكنولوجي. ولم تعد الحروب تُدار فقط عبر الجيوش والجبهات العسكرية، بل أصبحت تُخاض كذلك عبر الفضاء السيبراني، والاقتصاد، والإعلام، وشبكات النفوذ السياسي، والتحالفات. وفي هذا السياق يمكن الحديث عن ما يشبه “الحرب الثلاثية” التي تواجه العالم العربي، والمتمثلة في تلاقي الحرب العسكرية المباشرة، والحرب الاقتصادية، والحرب المعلوماتية في آنٍ واحد، وهو ما يفرض إعادة التفكير بجدية في مفهوم الأمن القومي العربي وآليات تعزيزه، جراء التصعيد الجاري والحريق الممتد الذي يطوق الكل .

أولاً: ملامح الحرب الثلاثية في الإقليم

لم يعد الصراع في المنطقة العربية يقتصر على ساحات القتال التقليدية، بل أصبح مركبًا ومتعدد الأبعاد. فالحرب العسكرية لا تزال حاضرة في عدد من بؤر التوتر الممتدة من السودان واليمن إلى غزة ولبنان وسوريا، وامتدت للخليج ، حيث تتداخل الصراعات الداخلية مع التدخلات الإقليمية والدولية.

غير أن ما يميز المرحلة الراهنة هو تزامن هذه الحروب العسكرية مع ضغوط اقتصادية شديدة تشمل العقوبات، والتحكم في سلاسل الإمداد، واستخدام الأدوات المالية كوسيلة للضغط السياسي. وفي المقابل تتصاعد الحرب المعلوماتية عبر حملات التضليل الإعلامي، واستهداف الوعي العام، والتلاعب بالرأي العام عبر وسائل التواصل والمنصات الرقمية.

هذه الأبعاد الثلاثة مجتمعة تشكل بيئة صراعية جديدة، تتجاوز قدرة الدول منفردة على التعامل معها، خاصة في ظل هشاشة بعض الدول العربية وتعرضها لأزمات سياسية واقتصادية معقدة. وتراجع قدرة المنظومة العربية على التعاطي الفعال مع المستجدات الامنية والجيوسياسية التي تجتاح المنطقة بتفاعلاتها.

ثانياً: تآكل مفهوم الأمن القومي التقليدي

لطالما ارتبط مفهوم الأمن القومي العربي تقليديًا بحماية الحدود والسيادة الوطنية من التهديدات العسكرية الخارجية. إلا أن هذا المفهوم لم يعد كافيًا في ظل التهديدات المركبة التي يشهدها الإقليم، وتسارع وتيرتها وآثارها.

فالأمن القومي اليوم يشمل إلى جانب الأمن العسكري الأمن الاقتصادي والغذائي والمائي، وأمن الطاقة، والأمن السيبراني، والاستقرار السياسي والاجتماعي، والوعي الجمعي العربي . وقد كشفت الأزمات المتلاحقة أن ضعف أي من هذه المجالات يمكن أن يتحول بسرعة إلى تهديد استراتيجي شامل.

كما أن التحولات في بنية النظام الدولي، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، جعلت المنطقة العربية ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ، الأمر الذي يفاقم هشاشة بعض الدول ويزيد من تعقيد التحديات الأمنية.

ثالثاً: التدخلات الخارجية وتفكيك المجال العربي
إحدى أخطر نتائج الحرب الثلاثية هي تعاظم دور الفاعلين الخارجيين في الشؤون العربية. فالقوى الدولية والإقليمية أصبحت أكثر حضورًا وتأثيرًا في الصراعات المحلية، بموجب التنافسية والاستقطاب الحاد للمحاور، سواء عبر الدعم العسكري، أو النفوذ الاقتصادي، أو أدوات التأثير الإعلامي والسياسي.

هذا التداخل الخارجي غالبًا ما يؤدي إلى إطالة أمد النزاعات الداخلية وتحويلها إلى صراعات بالوكالة، وهو ما يهدد وحدة الدول ويضعف مؤسساتها الوطنية ويقود الي هشاشة الأنظمة وتآكلها. كما أن تعدد الأجندات الخارجية يخلق بيئة من الاستقطاب الحاد داخل المجتمعات، ويقوض فرص بناء توافقات وطنية مستقرة.

ومن هنا فإن تعزيز الأمن القومي العربي لا يمكن أن يتم دون تحصين الجبهة الداخلية للدول العربية، وإحياء العمل العربي المشترك بادوات واليات مواكبة، وتقوية مؤسسات الدولة الوطنية، باعتبارها خط الدفاع الأول أمام محاولات الاختراق والتفكيك.

رابعاً: الحاجة إلى مقاربة عربية مشتركة

في مواجهة التحديات المتشابكة للحرب الثلاثية، يبدو واضحًا أن الاستجابات الفردية لم تعد كافية. فالتحديات العابرة للحدود – مثل الإرهاب، والهجرة غير النظامية، المخدرات والأمن السيبراني، وأمن الطاقة – وتهريب السلاح تتطلب مقاربات إقليمية مشتركة.

ويستدعي ذلك إعادة إحياء فكرة التنسيق العربي الاستراتيجي في مجالات الأمن والدفاع والاقتصاد. فتعزيز التعاون الاستخباراتي، وتبادل المعلومات، وتنسيق الخطط وتطوير آليات الاستجابة المشتركة للأزمات، ودرء الكوارث الإنسانية يمكن أن يسهم في بناء منظومة أمنية عربية أكثر فاعلية.

كما أن التكامل الاقتصادي العربي يمثل أحد أهم أدوات تعزيز الأمن القومي، إذ إن بناء شبكات إنتاج وتجارة واستثمار مشتركة يخفف من الاعتماد الخارجي، ويعزز قدرة الدول العربية على الصمود في مواجهة الضغوط الاقتصادية الدولية، وتقلبات الأسواق بالتحديات العارضة.

خامساً: الأمن القومي بين الدولة والمجتمع

لا يقتصر الأمن القومي على المؤسسات العسكرية والأمنية، بل يتطلب كذلك مشاركة فاعلة من المجتمع. فتعزيز الوعي الوطني، ومكافحة خطاب الكراهية، وحماية الفضاء الإعلامي من التضليل أصبحت عناصر أساسية في مواجهة الحرب المعلوماتية.

كما أن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا ورفع القدرات التقنية، يمثل ركيزة مهمة لتعزيز القدرة العربية على التعامل مع التحديات المستقبلية، خاصة في مجالات الأمن السيبراني والاقتصاد الرقمي.

فالدول التي تمتلك مجتمعات متماسكة واقتصادات منتجة ومؤسسات قوية تكون أكثر قدرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية وأقل عرضة للاختراقات السياسية والإعلامية.فحالة التداعي الماثلة تحتاج الي تفكير خارج الصندوق وثقة متبادلة اكبر لإحداث اليقظة والتعافي العربي بالتبعات التي تحيط بجدار الامة على كبر مساحتها وحجم السكان والثروات التي تملكها .

خاتمة: نحو رؤية عربية جديدة للأمن

إن الحرب الثلاثية التي يشهدها الإقليم العربي اليوم تعكس طبيعة التحولات العميقة في بنية الصراع الدولي، حيث تتداخل القوة العسكرية مع أدوات الاقتصاد والمعلومات. وفي ظل هذه البيئة المعقدة، يصبح من الضروري إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي العربي وأدواته وآلياته بما يتجاوز المقاربات التقليدية.

إن بناء منظومة أمن عربي فعالة يتطلب تعزيز الدولة الوطنية، وتوسيع التعاون الإقليمي، وتحقيق قدر أكبر من التكامل الاقتصادي، وتطوير أدوات المواجهة في المجالين السيبراني والإعلامي. كما يتطلب إرادة سياسية عربية موحدة قادرة على الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الاستراتيجي.

فبدون رؤية عربية مشتركة وفاعلة للأمن، سيظل الإقليم عرضة لدوامات الصراع والتدخل الخارجي وحرب النفوذ والمصالح وضرب القدرات . أما إذا نجحت الدول العربية في تحويل التحديات الراهنة على عظم آثارها ووقعها على الدول والسكان، إلى فرصة لإعادة بناء منظومة أمنية استراتيجية أكثر تماسكًا، تتعاطى مع كافة التحديات والتعقيدات برؤية وجرأة تحفظ المصالح العربية واستعادة دورها الريادي ، فقد يكون ذلك بداية مرحلة جديدة من التعافي واستعادة المبادأة نحو السلم والاستقرار والتنمية في المنطقة.
——————
١٠ مارس ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!