الحرب الثلاثية ودعوة حمد بن جاسم لتكوين حلف خليجي: هل يتشكل نظام أمني جديد في الخليج؟

تعيش منطقة الخليج والشرق الأوسط لحظة استراتيجية فارقة مع تصاعد ما يمكن وصفه بـ”الحرب الثلاثية” التي تتقاطع فيها ساحات الصراع بين الولايات المتحدة / إسرائيل وإيران وبعض دول الخليج، وتمتد ظلالها إلى لبنان واليمن والممرات البحرية الحيوية. وفي خضم هذا المشهد المضطرب برزت دعوة رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني إلى التفكير في تشكيل حلف خليجي قادر على مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.
هذه الدعوة، في توقيتها ومضمونها، تتجاوز كونها رأياً سياسياً عابراً؛ إذ تعكس إدراكاً متزايداً لدى بعض صناع القرار والنخب الاستراتيجية في الخليج بأن النظام الأمني الإقليمي الذي ساد خلال العقود الماضية يمر بمرحلة إعادة تشكل عميقة تحتاج الي اعادة نظر وقرار جماعي.
الحرب الثلاثية: تعدد الجبهات وتداخل الساحات
تتسم المواجهة الحالية بطبيعتها المركبة، إذ لم تعد الحروب في المنطقة تدور على جبهة واحدة، بل تتوزع على عدة ساحات متصلة ببعضها البعض سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
الجبهة الأولى تتمثل في التوتر المباشر بين إيران وبعض دول الخليج حول النفوذ الإقليمي وأمن الممرات البحرية والبرامج الصاروخية.
أما الجبهة الثانية فتبرز في لبنان حيث يشكل حزب الله أحد أبرز أذرع النفوذ الإيراني في المشرق العربي.
في حين تتجسد الجبهة الثالثة في اليمن عبر حركة الحوثيون التي باتت لاعباً مؤثراً في معادلة الأمن البحري في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
هذا التشابك بين الساحات يجعل أي تصعيد محدود في إحدى الجبهات قابلاً للانتقال سريعاً إلى جبهات أخرى، بما يحول الصراع إلى مواجهة إقليمية واسعة النطاق تمتد من مضيق هرمز شرقاً إلى شرق المتوسط غرباً.
دعوة حمد بن جاسم: قراءة في السياق الاستراتيجي
تأتي دعوة حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني لتشكيل حلف خليجي في سياق إدراك متزايد بأن المنظومة الأمنية التقليدية في الخليج لم تعد كافية لاحتواء المخاطر الجديدة.
فمنذ عقود اعتمدت دول الخليج بشكل أساسي على المظلة الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة. غير أن التحولات في أولويات السياسة الأمريكية، والاتجاه النسبي نحو تقليل الانخراط العسكري المباشر في الشرق الأوسط، خلقا حالة من القلق الاستراتيجي لدى العديد من العواصم الخليجية، وكشفت الحرب عوار أمن الخليج.
في الوقت نفسه، تطورت طبيعة التهديدات التي تواجه المنطقة. فلم تعد الحروب تقتصر على المواجهات التقليدية بين الجيوش، بل باتت تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والحروب السيبرانية وشبكات الوكلاء الإقليميين والتحالفات المتشابكة.
هذا التحول في طبيعة الصراع دفع بعض النخب السياسية إلى التفكير في ضرورة الانتقال من الأمن المعتمد على الحلفاء الخارجيين إلى أمن إقليمي قائم على التعاون الخليجي المباشر، بكل كلفته وتبعاته.
مجلس التعاون: بين الإطار السياسي والحلف العسكري
منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، شكّل المجلس إطاراً مهماً للتنسيق السياسي والاقتصادي بين دول الخليج. غير أن طموح تحويله إلى تحالف دفاعي متكامل ظل محدوداً.
وقد شهدت السنوات الماضية عدة محاولات لتعزيز التعاون العسكري، أبرزها إنشاء قوة درع الجزيرة ومشاريع الدفاع الجوي المشترك. إلا أن هذه المبادرات بقيت في حدود التنسيق الدفاعي الجزئي ولم ترتقِ إلى مستوى حلف عسكري موحد يشبه التحالفات الدفاعية الكبرى في العالم على نسق الأطلسي .
ويرى بعض المحللين أن السبب يعود إلى اختلاف أولويات الأمن القومي بين الدول الخليجية، إضافة إلى اعتماد كل دولة على علاقات دفاعية ثنائية مع القوى الدولية الكبرى.
الحرب غير المتكافئة وتحدي الوكلاء
أحد أبرز التحديات التي تواجه دول الخليج يتمثل في الحروب غير المتكافئة التي تعتمدها إيران لتعزيز نفوذها الإقليمي. فبدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة، تعتمد طهران على شبكة من الفاعلين غير الدوليين المنتشرين في عدة مناطق من الشرق الأوسط.
ومن أبرز هؤلاء الفاعلين:
• حزب الله في لبنان
• الحوثيون في اليمن
هذا النمط من الصراعات يضع دول الخليج أمام تحديات أمنية معقدة، إذ يصبح الرد العسكري التقليدي أقل فاعلية في مواجهة شبكات متحركة ومرنة تعتمد على الصواريخ والطائرات المسيرة والهجمات غير التقليدية.
التحديات التي تواجه فكرة الحلف الخليجي
رغم وجاهة الطرح، فإن تحويل فكرة الحلف الخليجي إلى واقع عملي يواجه عدة عقبات.
أول هذه العقبات يتمثل في التباينات السياسية داخل الخليج. فقد شهدت المنطقة خلال السنوات الماضية أزمات سياسية بين بعض الدول الخليجية، وهو ما أظهر أن مستوى التنسيق السياسي لا يزال بحاجة إلى تعزيز.
أما العقبة الثانية فتتمثل في اختلاف العقائد العسكرية والهياكل التنظيمية للجيوش الخليجية، الأمر الذي يجعل بناء قيادة عسكرية موحدة عملية معقدة تحتاج إلى وقت وإرادة سياسية موحدة واستراتيجية قوية.
العقبة الثالثة تتعلق بطبيعة العلاقة مع القوى الدولية الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، إذ يتطلب إنشاء حلف إقليمي مستقل تحديد شكل العلاقة مع هذه القوى بما لا يخل بالتوازنات الاستراتيجية القائمة.
نحو نظام أمني خليجي جديد؟
مع ذلك، فإن تصاعد التوترات الإقليمية قد يدفع دول الخليج إلى إعادة التفكير في بنية أمنها الجماعي. فالممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب تشكل شرياناً أساسياً للاقتصاد العالمي، وأي تهديد لها قد تكون له تداعيات اقتصادية وسياسية واسعة.
وفي حال تطورت فكرة الحلف الخليجي إلى صيغة عملية، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام بناء نظام أمني إقليمي أكثر استقلالاً يقوم على تنسيق الدفاع الجوي والبحري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير القدرات العسكرية المشتركة.
خاتمة: لحظة إعادة تعريف الأمن الخليجي
تعكس دعوة حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني لتشكيل حلف خليجي إدراكاً متقدماً بأن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة من التحولات الاستراتيجية. فالحرب الثلاثية المشتعلة في أكثر من ساحة، وتزايد نفوذ الفاعلين غير الدوليين، وتغير أولويات القوى الدولية، كلها عوامل تدفع دول الخليج إلى البحث عن صيغة أمنية أكثر تماسكاً وفاعلية.
غير أن نجاح هذه الفكرة سيظل مرهوناً بقدرة الدول الخليجية على تجاوز خلافاتها وبناء رؤية استراتيجية مشتركة، لأن التحديات التي تواجه المنطقة لم تعد تخص دولة بعينها، بل باتت تمس الأمن الخليجي الجماعي برمته.
لذلك يمكن أن تُقرأ دعوة حمد بن جاسم، في سياقها الإقليمي المضطرب، باعتبارها أكثر من مجرد طرح سياسي عابر؛ فهي تعكس إدراكًا متناميًا لدى بعض النخب الخليجية بأن التحولات الأمنية المتسارعة في المنطقة قد تدفع نحو إعادة هندسة منظومة الدفاع الجماعي. وفي ظل تصاعد التهديدات الإقليمية واتساع مسارح الصراع، تبدو هذه الدعوة وكأنها تمهيد فكري وسياسي لفكرة قيام “ناتو خليجي” أو منظومة دفاع مشترك أكثر تماسكًا وفاعلية. فالتطورات الجارية، من أمن الممرات البحرية إلى تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، والتحالفات المتكافئة قد تدفع دول الخليج لتجاوز خلافاتها و الانتقال من مرحلة التنسيق الأمني التقليدي إلى مرحلة التحالف الدفاعي المؤسسي، بما يعيد رسم ملامح الأمن الإقليمي في السنوات القادمة.
———///—-
١٤ مارس ٢٠٢٦ م


