
▪️اعتقادي أن ما كتبه صديقي الإعلامي والدبلوماسي السابق الأستاذ مكي المغربي في بوسته الأخير بفيسبوك عن ( المفاوضات وتعويضات خسائر الحرب ) – ان جاز لي تسميته هكذا – هو من ذلك النوع النادر من الكتابة التي توقظ الحذر، وتستفز العقل قبل العاطفة، وتدفعك رغماً عنك إلى إعادة فحص المسلمات التي اعتدنا ترديدها بلا مساءلة.
وصديقي ( مكوك ) – كما يحلو لي مناداته – عادة ما يلجأ الي هذا النوع من الكتابة عندما تلتقط استشعاراته برقيات الخطر فحينها يهرع الي البرج ويمارس مهمة دق الأجراس ، وظني ان أصوات اجراسه اليوم عالية جدا .
▪️بوستٌ قصير في حجمه، عميق في منطقه، وخطير في ما يفضحه من أوهامٍ يجري تسويقها باسم “التسويات” و“المجتمع الدولي”.
ورغم أن الأستاذ مكي بنى طرحه -على تسريبات – إلا أن طبيعة علاقاته، واتساع دوائره، وسجل مصادره التي كثيرًا ما أثبتت موثوقيتها، تجعل ما أورده أقرب إلى التقدير الواقعي منه إلى الافتراض النظري، وأقرب إلى قراءة ما يدور خلف الأبواب المغلقة منه إلى مجرد اجتهاد إعلامي.
من هذه الزاوية تحديدًا، جاء دافعي لكتابة هذا المقال.
أولًا: ليست المشكلة في التفاوض… بل في وهمه
دعونا نضع الحقيقة في صدر الطاولة:
التفاوض، في ذاته، ليس ضعفًا، ولم يكن يومًا خطيئة سياسية أو شرعية. بل إن رفض التفاوض كليًا قد يكون -في حالات كثيرة -نوعًا من المكابرة غير المحسوبة.
المشكلة الحقيقية ليست في مبدأ التفاوض، وإنما في أجندته، ومحتواه، ومنطقه الحاكم.
التفاوض الذي يُدار بذهنية “إغلاق الملف” لا “استعادة الحق”، هو تفاوض خاسر حتى لو زُيّن بالأرقام والاحتفالات.
ثانيًا: الأرقام… الطُعم الأكثر خبثًا
كل رقم يُطرح على الطاولة – 30 مليار، 70 مليار، أو حتى أرقام فلكية – يجب أن يُفهم منذ اللحظة الأولى على حقيقته (
هو ليس تعويضًا، بل طُعم سياسي).
التجربة الدولية، بلا استثناء تقريبًا، تقول إن الرقم المعلن لا تتجاوز قيمته التنفيذية في أحسن الأحوال نسبة ضئيلة جدًا بعد:
•خصومات غير معلنة
• اشتراطات سياسية
• لجان مراجعة
• تقارير شفافية
• اتهامات فساد
• تجميد دفعات
• ثم رمي الفتات مع تحميل الدولة مسؤولية الفشل
الدولة الذكية لا تفاوض على الرقم، بل تفاوض على وصف الجريمة.
وحين يُثبَّت الوصف، يصبح الرقم تفصيلًا لاحقًا لا محورًا للابتزاز.
ثالثًا: تفكيك الملفات .. شرط النجاة
أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدولة، هو الخلط المتعمد بين الحقوق.
ولهذا، لا بد من تفكيك ملف العدوان إلى مسارات مستقلة لا تقبل المقايضة:
1. الحق العام السيادي
(البنية التحتية، المرافق، الاقتصاد، مؤسسات الدولة)
2. الحق المشترك
(الموارد، البيئة، الشبكات الاستراتيجية، الموانئ، الطاقة)
3. الحقوق الخاصة للأفراد
(الدماء، الأعراض، الممتلكات الخاصة)
وهذه لا تُسوّى سياسيًا، ولا تُغلق باتفاقات، بل تُحال لمسارات عدلية مستقلة.
4. كلفة إدارة العدالة وإعادة بناء الدولة
(القضاء، التحقيق، الحصر، الأمن، الاستقرار المجتمعي)
أي محاولة لدمج هذه المسارات في “سلة واحدة” هي تفريغ للتفاوض من معناه، وتحويله إلى صفقة إطفاء غضب لا استعادة حقوق.
رابعًا: فخ (الشفافية الدولية)
فما بعد الاتفاقات في العادة أخطر من الاتفاقات نفسها لأن فهناك دوما :
• بيوت خبرة
• فرق تقصي
• لجان نزاهة
• تقارير دورية
• مراقبون بلا مساءلة
هذه الأدوات لا تُستخدم غالبًا لضمان الإصلاح، بل لإدارة الحجز المرحلي للأموال، وإبقاء الدولة في قفص الاتهام الدائم.
والمخرج بما أراه هنا كالاتي :
• آلية وطنية خالصة لإدارة التعويضات
• مراجعة لاحقة لا وصاية مسبقة
• رفض أي إدارة تنفيذية خارج السيادة
• إشراك شركاء لا أوصياء
خامسًا: الوسيط ليس حاكمًا
والوسيط دوره هنا ضمان التنفيذ لا كتابة الشروط،
وضبط الإيقاع لا تحديد السقف،
ومنع الارتداد لا إدارة الدولة…
لكن حين يتحول الوسيط إلى شريك في المحتوى، تصبح المفاوضات أداة ضغط لا جسر حل.
سادسًا: الردع ..لا النوايا الحسنة
أي اتفاق بلا آلية ردع، هو استراحة للخصم لا نهاية للصراع.
ولهذا، يجب أن يتضمن أي تفاوض:
• ضمانات زمنية صارمة
• جزاءات تلقائية عند الإخلال
• إجراءات فورية لا مؤجلة
• ربط أي تعاون مستقبلي بسجل التنفيذ لا الخطاب
ختاما
▪️الدولة التي خرجت من حرب وجودية، لا تطلب ( تعويضات ) بل تُعيد تعريف نفسها كطرف صمد، ودفع الثمن، ويملك الحق في فرض معادلة العدالة لا الرضا.
وفي عالمٍ – كما قال الفيتوري واشار الاستاذ مكي ( الغافل من ظن أن الأشياء هي الأشياء )
فإن أسوأ ما يمكن فعله، هو الدخول إلى التفاوض بذهنية حسن النية، لا بذهنية كشف الخديعة.
▪️التفاوض بلا أوهام .. هو وحده الطريق الذي يحفظ الكرامة، ويصون الحق، ويمنع إعادة إنتاج العدوان بثوب جديد.
،، والي الملتقي ..




