
kameir@yahoo.com
تورونتو، 19 يناير 2026
مُقدمة:
لم يكن مصطلح «تأسيس الدولة» موضوعاً لنقاشٍ عام واسع في الفضاء السياسي السوداني، رغم أن مجموعة من الفاعلين المدنيين، المنخرطين في بلورة رؤية للسودان ما بعد الحرب، كانت تطمح منذ وقت مبكر إلى فتح حوار جاد حول معنى التأسيس وموقعه في معالجة الأزمة الوطنية (الواثق كمير، «سودان ما بعد الحرب: ملامح من رؤية!»، سودانايل، 10 ديسمبر 2023).
وقد جاء مقال الدكتور مكي الشبلي ليضع المصطلح في واجهة النقاش العام، من خلال تساؤلات نقدية مشروعة حول استخدامه من قبل بعض الفاعلين المسلحين، وعلى رأسهم قوات الدعم السريع، بجانب الحركات المسلحة والسياسيين المتحالفين معها، ولو أنه لم يُشر إليهم صراحة (مكي الشبلي، «تأسيس أم ابتناء: في خطل مصطلح “تأسيس” السودان وإشكالية محو التاريخ في خطاب السلاح»، سودانايل، 16 يناير 2026).
ما حفّزني لهذه المداخلة ليس الاعتراض على هذا النقد، بل توضيح أن الاستخدام الذي انتقده الدكتور مكي لا يمت بصلة للمعنى الذي قصده مقالي المشار إليه أعلاه باستدعاء المفهوم في سياق مدني وتحليلي، ولا علاقة له بمشروعات الفاعلين المسلحين أو محاولاتهم لفرض شرعية بالقوة. فالغاية هنا هي الإسهام في إثراء الحوار وضبط المفهوم، عبر التمييز بين توظيف «التأسيس» كأداة لتبرير سلطة مفروضة بالسلاح، وبين استخدامه لفهم أزمة الدولة السودانية الحديثة، وتجاوز اختزال السياسة في مجرد انتقال للسلطة، دون محو التاريخ أو تأسيس السودان على أنقاض ذاكرته (على حد تعبير د. مكي).
التأسيس: مدني أم مُسلح؟
فمن المهم، في هذا السياق، التمييز بوضوح بين مستويين مختلفين لاستخدام المصطلح. فـ«التأسيس» الذي نقصده هنا هو مسار مدني–سياسي يعالج الأسئلة البنيوية المؤجلة للدولة السودانية عبر أدوات الحوار، والعملية الدستورية، والشرعية التوافقية وصولاً إلى الشرعية الإنتخابية. أما توظيف «التأسيس» من قبل فاعلين مسلحين لتبرير إنشاء سلطات موازية، أو فرض ترتيبات دستورية ومؤسسية بالقوة ودون تفويض، فهو استخدام آخر للمفهوم يعكس منطق الغلبة لا منطق الدولة، ويعيد إنتاج أزمة الشرعية بدلاً من معالجتها.
أولاً: التأسيس بوصفه أداة لشرعنة سلطة السلاح: في هذا المستوى الأول، استخدمت قوات الدعم السريع المصطلح لتسويغ إعلان مشروع سيادي كامل ودولة “علمانية”، شمل صياغة دستور، وتشكيل مجلس رئاسي وحكومة تنفيذية، وترسيم أقاليم وتعيين حكّام لها، في تجاوز كامل للقوى السياسية والمجتمعية والأهلية. هنا لا يكون «التأسيس» مفهوماً تحليلياً، إنما أداة للشرعنة السياسية القسرية، وغطاء لإعادة تعريف الدولة بمنطق السلاح. وهو استخدام يُلرر التحفظ علبه ونفده، لا لأنه يمس اللغة ئاو المفهوم في ذاته، بل لأنه يُحوّله إلى غطاء لإلغاء المجتمع بكافة طوائفه واحتكار تعريف الشرعية.
ويتعززُ هذا الاستخدام الإلغائي حين يُقرأ في سياق ما صاحب الحرب من تدمير ممنهج للذاكرة الوطنية، مثل الاعتداء على المتحف القومي، ونهب متحف السلطان علي دينار، وتدمير أو سرقة المقتنيات التاريخية للأسر السودانية. فهذه الأفعال لا يمكن فهمها بوصفها أضراراً جانبية للحرب فحسب، بل بوصفها استهدافاً للارتكازات التاريخية للمجتمع، وتمهيداً لفرض سردية زائفة عن «تأسيس السودان» على أنقاض ذاكرته. في هذا المعنى، يصبح التأسيس فعلاً إلغائياً لا مشروعاً وطنياً.
ثانياً: التأسيس بوصفه معالجة لأزمة الدولة الحديثة: في المقابل، لا يمت هذا الفهم بصلة إلى الاستخدام المدني للمفهوم كما ورد في ورقة «ملامح من رؤية سودان ما بعد الحرب»، ولا كما استُخدم في مقالي المنشور بعد أقل من ستة أسابيع من اندلاع الحرب («حرب أبريل: محطة مفصلية في سيرورة بناء الدولة السودانية»، سودانايل، 4 يونيو 2023).
ففي هذا السياق، لم يكن المقصود الحديث عن تأسيس السودان ككيان حضاري أو اجتماعي، ولا إنكار امتداده التاريخي الضارب في القدم، بل توصيف لحظة سياسية كاشفة أظهرت أن الدولة السودانية الحديثة، منذ الاستقلال في 1956، فشلت في حسم قضاياها الدستورية والتأسيسية البنيوية.
صحيحٌ أنّ السودان، بوصفه مجتمعاً وتاريخاً وحضارة، ليس كياناً طارئاً حتى يُؤسَّس من جديد، ولا فراغاً تاريخياً يُعاد ملؤه بإعلان سياسي. لكنه، بوصفه دولة حديثة، لم ينجح حتى اليوم في تأسيس عقد اجتماعي–سياسي ودستوري مستقر. وقد ظلت قضايا جوهرية معلّقة لعقود، من بينها طبيعة نظام الحكم، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وموقع المؤسسة العسكرية من السلطة، والعلاقة بين الدين والدولة، وأسس العدالة الانتقالية، وتقاسم السلطة والثروة، أي القضايا المصيرية لتأسيس الدولة الحديثة.
بدلاً من مواجهة هذه الأسئلة التأسيسية، انزلقت النخب السياسية مراراً إلى إدارة انتقالات سلطة قصيرة النفس، وانشغلت بالصراع على الترتيبات الانتقالية والمواقع التنفيذية، بينما أغفلت مخاطبة، وأهملت معالجة، جذور الأزمة. وكانت النتيجة دورات “خبيثة” متكررة من الانقلابات والثورات والانتقالات الهشة، إلى أن بلغت الأزمة ذروتها في حرب أبريل 2023.
من هذا المنظور، فإن الحديث عن التأسيس لا يعني القطيعة مع التاريخ ولا محو التراكم الحضاري، بل يعني الانتقال من منطق «انتقال السلطة» إلى منطق «تأسيس الدولة» بمعناه السياسي والدستوري، أي معالجة القضايا التي حالت دون قيام دولة مستقرة منذ الاستقلال، وبناء شرعية جديدة تقوم على التوافق الوطني والمواطنة، لا على الغلبة.
ففي هذا السياق، لا يبدو مفهوم «الابتناء» نقيضاً لما نقصده، بل توصيفاً مكملاً له. فالابتناء يعبّر بدقة عن التراكم الحضاري والاجتماعي للمجتمع السوداني، غير أن هذا التراكم لم يُترجم إلى ابتناء سياسي ودستوري ناجز للدولة الحديثة. ومن هنا تأتي الحاجة إلى لحظة تأسيسية مدنية تعالج هذا الخلل دون أن تنكر التاريخ أو تتجاوزه.
خاتمة
الإشكال، إذن، ليس في المصطلح ذاته، بل في سياقه وتوظيفه. فحين يُحتكر «التأسيس» من قبل فاعل مسلح، ويُستخدم لفرض سلطة أو محو ذاكرة، يصبح خطراً على الدولة والمجتمع. أما حين يُطرح في إطار مدني، سلمي، وتوافقي، فإنه يفتح أفقاً ضرورياً لكسر الحلقة المفرغة التي أعاقت قيام دولة مستقرة في السودان منذ 1956.
غاية هذا المقال التعقيبي ليست الدفاع عن مصطلح، ولا الدخول في سجال لغوي “مصطلحي” أو تاريخي، بل الإسهام في ضبط المفهوم ووضعه في سياقه الصحيح. فالتحدي الحقيقي الذي يواجه السودان بعد هذه الحرب ليس فقط من يحكم، بل كيف تُعاد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع. وبين اختزال السياسة في انتقال للسلطة، وبين تأسيس دولة لا تمحو تاريخها ولا تُفرص على شعبها، يكمن جوهر الحوار الذي نحتاجه اليوم.





