الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

الامارات وحرب السودان، قراءة في تداعيات تحقيق رويترز

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

لم يعد الخبر الذي نشرته وكالة رويترز بشأن تمويل معسكر تدريبي في إثيوبيا لصالح مليشيا الدعم السريع مجرد سبقٍ صحفي عابر، بل تحوّل إلى مؤشر استراتيجي بالغ الدلالة على طبيعة الحرب في السودان، وعلى تحوّلاتها من نزاع داخلي إلى صراع ذي امتدادات إقليمية واضحة المعالم.

فنحن، وفق ما ورد في التحقيق، لا نتحدث عن دعم سياسي غير مباشر، أو وساطة ملتبسة، أو حتى مساعدات إنسانية أُسيء استخدامها، بل عن بنية إسناد عملياتي متكاملة شملت تجديد مطار حدودي، إنشاء معسكر تدريب، وجود مركز تحكم بالمسيّرات، تدريب آلاف المقاتلين، وتحرك شاحنات مرتبطة بجهة خارجية. وفي المقابل، جاء النفي الإماراتي الصريح لأي مشاركة في الأعمال القتالية، ما يجعل المسألة تنتقل من حيز الاتهام الإعلامي إلى ميدان التحقق والمساءلة الدولية.

أهمية ما ورد لا تكمن في الرقم وحده – وإن كان الحديث عن تدريب نحو 4300 مقاتل رقمًا ذا وزن – بل في التحول النوعي الذي تشير إليه هذه المعطيات مما يؤكد ان التطور لم يكن كميًا فحسب بل كان نوعيًا كذلك.
فالتدريب الخارجي المنظم يعني سعيًا نحو تعويض الاستنزاف البشري، إعادة تأهيل الوحدات،
تطوير الكفاءة القتالية وفق برامج ممنهجة.
أما الحديث عن مركز تحكم بالمسيّرات، فيحمل دلالة أعمق؛ إذ يشير إلى انتقال الحرب من نمط المواجهة التقليدية إلى نمط أقرب إلى حروب الجيل الخامس، حيث يتقدم الاستطلاع الرقمي، والتوجيه الدقيق، والتأثير النفسي والإعلامي، على مجرد الاشتباك المباشر. في هذه الحالة، تصبح الحرب شبكة تكنولوجية معقدة، لا مجرد ساحة نار.
وهذا التطور لا يغيّر ميزان القوى فورًا، لكنه يغيّر قدرة الاستمرار، وهو ما يعني عمليًا إطالة أمد النزاع وتعميق كلفته البشرية والاقتصادية.

الخطورة الثانية والتي لا تقل شأنًا عن سابقتها، وتتعلق بالموقع الجغرافي للمعسكر المرصود بأصوصا، فهي “تدويل العمق الخلفي للحرب”. فوجود بنية تدريب وإسناد في دولة جوار مباشر للسودان، داخل إقليم شديد الحساسية سياسيًا وأمنيًا، يعني أن الحرب لم تعد محصورة في الجغرافيا السودانية.
إثيوبيا ليست دولة بعيدة عن مسرح الأحداث، بل ترتبط مع السودان بملفات معقدة تشمل الحدود، التوازنات الإقليمية، وسد النهضة، فضلًا عن هشاشة البنية الأمنية في بعض أقاليمها الغربية. وفي مثل هذا السياق، فإن أي نشاط عسكري عابر للحدود يضع الإقليم أمام احتمالات خطرة، منها انتقال السلاح والمقاتلين عبر الحدود، تصاعد الاحتكاك بين الدول، تحول الأراضي الوطنية إلى منصات لحروب بالوكالة.
وهنا ينتقل النزاع من كونه حربًا داخلية إلى صراع ذي مسرح إقليمي مفتوح، بما يحمله ذلك من تعقيدات سياسية وأمنية.

البحر الأحمر ليس مسرحًا بحريًا فحسب، وليس ممرًا مائيًا وملاحيًا محايدًا فقط، لذا فالربط بين هذا التطور وبين البحر الأحمر قد يبدو للوهلة الأولى غير مباشر، لكنه في الواقع وثيق الصلة. فالحروب الحديثة تُدار عبر منظومات لوجستية مترابطة برًا وجوًا وبحرًا. وعندما تتشابك مسارات الإسناد في العمق الشرقي للسودان مع مطارات ومعسكرات خارجية، فإن أمن الموانئ، وسلاسل الإمداد، والتجارة العابرة، يدخل في دائرة التأثر.
البحر الأحمر ممر دولي حيوي، وأي توسع للحرب في تخومه الجغرافية، أو تعقيد لشبكاتها اللوجستية، ينعكس مباشرة على مناخ الاستثمار، استقرار الموانئ، ثقة الشحن العالمي، الحسابات الأمنية للدول المطلة عليه. وبذلك يصبح الملف السوداني جزءًا من معادلة أمن إقليمي أوسع، لا قضية داخلية معزولة.

وعليه، فيجب ان ننقل المعركة مع الامارات من معركة بيانات إلى معركة مساءلة ومحاسبة، فالنفي الإماراتي لأي مشاركة في الصراع يضع القضية في إطارها القانوني والسياسي الصحيح وهو ضرورة الانتقال إلى مرحلة “التحقق الموضوعي” و تقديم الاثباتات القانونية و الأدلة الجنائية. فإذا كانت الاتهامات تجد، كما يُنقل، صدى لدى خبراء أمميين ومشرعين اميركيين، فإن المسألة قد تنتقل من الفضاء الإعلامي إلى تقارير لجان الخبراء، ومداولات مجلس الأمن وجلسات و تشريعات الكونغرس الامريكي و مجلس الشيوخ هناك، وربما إلى ضغوط سياسية أو عقوبات.
وهنا تكمن نقطة التحول الحاسمة؛ فإما أن تُغلق هذه الاتهامات بآليات تحقيق محايدة وشفافة، أو أن تتحول إلى ملف إقليمي مفتوح يُعاد توظيفه في صراعات التوازن والنفوذ.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يُثار عن شبكة العلاقات والتحالفات في الإقليم. فالإمارات، بما بنته وتملكه من حضور اقتصادي وأمني واسع في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، تجد نفسها أمام اختبار صعب لمصداقية خطابها المعلن بشأن الاستقرار الإقليمي وعدم التدخل العسكري المباشر. والسعودية، بوصفها الدولة الأكبر تأثيرًا على الضفة العربية للبحر الأحمر، لا يمكن أن تبقى بمنأى عن تداعيات أي تصعيد يمس أمن هذا الممر الحيوي، خصوصًا في ظل سعيها لقيادة منظومة تعاون إقليمي تقوم على الاستقرار لا الفوضى. أما مصر، المرتبطة بالسودان بروابط أمن قومي مباشر، فإن أي تدويل للعمق الشرقي للسودان يضعها أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على التوازنات مع دول الخليج، وضمان عدم تشكل واقع أمني جديد على حدودها الجنوبية. وفي المقابل، تقف الولايات المتحدة أمام مفارقة واضحة فهي تعلن دعمها لوقف الحرب والحفاظ على وحدة السودان، لكنها مطالبة كذلك بأن توضح حدود مسؤوليتها السياسية تجاه حلفائها، وأن تثبت أن التهدئة ليست مجرد إدارة للأزمة، بل مسار حقيقي لإنهائها.
بهذا المعنى، فإن القضية لم تعد اختبارًا لطرف سوداني أو لاتهام عابر، بل تحولت إلى اختبار لإرادة الإقليم بأسره؛ هل يريد المجتمع الإقليمي والدولي استقرارًا حقيقيًا في السودان، أم إعادة تشكيل توازناته عبر أدوات غير مباشرة؟

وتصحيحًا لتعريف حرب السودان وتأكيدًا لحقيقتها؛ فإن الحرب في السودان لم تكن في أي وقت نزاعًا داخليًا بين طرفين مسلحين، بل تظل نموذجًا لحرب ذات بنية إسناد إقليمي، تدريب، لوجستيات، تقنيات متقدمة، وتمويل عابر للحدود.
وفي هذه الحالة، فإن الحديث عن وقف إطلاق نار لا يكون ذا معنى ما لم يُستكمل بشرط أساسي تجفيف قنوات الإسناد الخارجي. فلا يمكن لحرب تتغذى من خارج حدودها أن تتوقف بإرادة داخلية فقط ودون منع الداعمين الإقليميين عن التدخل في الشأن الداخلي وكف أيديهم عن المشاركة و الاسهام.
إن المسألة، في جوهرها، لم تعد شأنًا سودانيًا خالصًا، بل أصبحت اختبارًا لاستقرار القرن الإفريقي وأمن البحر الأحمر، ولقدرة النظام الإقليمي على منع تحول الجوار إلى مسرح دائم لحروب الوكلاء.

ورغم محاولات الامارات المستمرة في الظهور بمظهر الملاك القديس البرئ والداعم لكفة السلام و الاستقرار، ورغم ادعائها الحياد وتبني قضية الشأن الانساني؛ إلا انها في حقيقةالامر والواقع نزعت عن نفسها كل أغطية الستر والتخفي، وتبرجت كذلك سافرة بالخطيئة ونازعة عن وجهها كل حجاب طهر. ورغم ما تحرص عليه الإمارات كذلك؛ من تقديم نفسها بوصفها فاعلًا إقليميًا داعمًا للاستقرار ومساهمًا في العمل الإنساني، فإن ما تقوم به في هذه الحرب تضع هذا الخطاب أمام اختبار صعب. فالتناقض بين الدور المعلن والدور المحتمل في مسرح العمليات، إن تأكد، لا يمس صورة دولة بعينها فحسب، بل يفتح سؤالًا أعمق حول طبيعة إدارة النفوذ الإقليمي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر وهل يُدار عبر أدوات الاستقرار والتنمية، أم عبر أدوات التأثير غير المباشر وإعادة تشكيل موازين القوى؟
إن خطورة المرحلة لا تكمن في تبادل الاتهامات، بل في ضرورة الوضوح والشفافية، لأن استمرار الضبابية يرسخ الشكوك ويُعمّق الانقسام ويطيل أمد الحرب.ويبدو أن تداعيات هذا الملف سوف ترسم وبشكل جديد ملامح المرحلة المقبلة من الحرب، ومن اصطفافات و تكتلات الإقليم بأسره.

الاربعاء 11 فبراير 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!