الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

الابتكار في زمن الذكاء الاصطناعي (2)

هل الفجوة التقنية عائق حقيقي؟

د. محمد عبدالرحيم يسن




في المقال السابق طرحنا سؤالا محوريا:
هل أدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي متاحة فعلا لدولة مثل السودان لتقود مسار الابتكار، أم أن الفجوة التقنية ما زالت تمثل عائقا بنيويا؟
الإجابة الواقعية ليست نعم مطلقة ولا لا قاطعة، بل تكمن في فهم طبيعة هذه الفجوة وكيفية التعامل معها.
صحيح أن الدول المتقدمة تمتلك بنى تحتية رقمية ضخمة، ومراكز بيانات عملاقة، واستثمارات بمليارات الدولارات في البحث والتطوير، لكن الذكاء الاصطناعي اليوم لم يعد حكرا على هذه البيئات فقط، لقد تغيرت قواعد اللعبة. فبفضل الحوسبة السحابية، والأدوات مفتوحة المصدر، والمنصات الجاهزة، أصبح بالإمكان الوصول إلى قدرات تحليلية وذكاء اصطناعي متقدم دون الحاجة إلى استثمارات تقليدية ضخمة في الأجهزة والبنية التحتية المحلية.
الفجوة الحقيقية اليوم، فجوة مهارات وإدارة ومعرفة بكيفية توظيف ما هو متاح.
دولة مثل السودان، في ظروف ما بعد الحرب، يمكنها أن تدخل مسار الابتكار المدعوم بالذكاء الاصطناعي من بوابات عملية وواقعية، تبدأ أولا بتحديد الأولويات الوطنية ذات الأثر المباشر … إعادة بناء الخدمات الصحية، إدارة الموارد الزراعية، تحسين كفاءة الخدمات الحكومية. هذه المجالات لا تحتاج في بدايتها إلى تقنيات معقدة بقدر ما تحتاج إلى بيانات منظمة، وكفاءات قادرة على التحليل، وقرارات شجاعة تسمح بتجربة نماذج جديدة.
الذكاء الاصطناعي لا يعمل في الفراغ، بل فوق بيانات. وهنا يكمن التحدي الأكبر.. بناء قواعد بيانات موثوقة، وتنظيف البيانات المتاحة، وربطها بين المؤسسات. هذه الخطوة، رغم بساطتها الظاهرية، هي حجر الأساس لأي مشروع ذكاء اصطناعي ناجح، وهي في متناول الدول محدودة الموارد إذا توفرت الإرادة المؤسسية والتنسيق العالي..
من ناحية أخرى، يمكن تجاوز محدودية الكفاءات المحلية عبر نماذج مرنة للتعاون… شراكات مع الجامعات، الاستفادة من الخبرات السودانية في المهجر، التعاون مع منظمات دولية، وتشجيع القطاع الخاص المحلي على الدخول في مشاريع ابتكار مشتركة مع الحكومة. الابتكار في هذا السياق لا يعني اختراع تقنيات من الصفر، بل القدرة على تكييف الحلول العالمية مع الواقع المحلي.
أما البنية التحتية، فليست بالضرورة أن تكون مثالية منذ البداية. يمكن اعتماد نهج تدريجي يبدأ بخدمات سحابية، ومشاريع تجريبية صغيرة، يتم تقييمها وتوسيعها لاحقا. الفشل المحدود في التجارب المبكرة أقل كلفة بكثير من الجمود وانتظار “الظروف المثالية” التي قد لا تأتي أبدا.
التشريعات كذلك تلعب دورا حاسما. وجود أطر قانونية واضحة لحماية البيانات، وتنظيم تبادلها بين الجهات، وتحديد المسؤوليات، يخلق بيئة ثقة تسمح باستخدام التقنيات الذكية دون خوف أو ارتباك مؤسسي. فالفجوة التقنية أحيانا تكون فجوة تنظيمية قبل أن تكون فجوة تقنية.
إذن، هل الفجوة التقنية عائق؟ نعم، لكنها ليست قدرا محتوما. هي تحد يمكن تفكيكه إلى عناصر قابلة للمعالجة: مهارات، بيانات، تشريعات، وشراكات. وكل عنصر منها يمكن العمل عليه بخطوات تدريجية مدروسة.
الابتكار في زمن الذكاء الاصطناعي لا يبدأ بشراء الخوادم، بل يبدأ بقرار: أن نغير طريقة تفكيرنا في حل المشكلات، وأن نعتبر البيانات موردا وطنيا، وأن نؤمن بأن بإمكاننا القفز مراحل، لا السير بخطى بطيئة خلف الآخرين.
في المقال القادم، نقترب أكثر من أرض الواقع، ونناقش سؤالا عمليا:
ما هي الخطوات التنفيذية الأولى التي يمكن أن تبدأ بها مؤسسة حكومية سودانية غدا صباحا إذا أرادت الدخول فعليا في مسار الابتكار المدعوم بالذكاء الاصطناعي؟

٢ فبراير ٢٠٢٦م

تعليق واحد

اترك رد

error: Content is protected !!