
لم تُبنَ الاستراتيجية الإقليمية لدولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها مشروع دولة تقليدي، بل كنموذج نفوذ مركّب يتضمن أمن بالوكالة، اقتصاد موانئ، تدخل منخفض الكلفة سياسيًا، وتمدّد محسوب في مناطق الهشاشة. لسنوات، بدا هذا النموذج متماسكًا، سريع الحركة، قليل الضجيج، وفعّال الأثر.
وهذا المقال لا يناقش إخفاق سياسة بعينها، بل يتناول انتهاء الصلاحية العملية لنموذج نفوذ كامل، ظلّ يعمل بكفاءة مرحلية قبل أن تبدأ تناقضاته الذاتية في الظهور.
لكن ما يجري اليوم في اليمن، وارتداداته في خليج عدن والبحر الأحمر، لم يعد مجرد مؤشرات عابرة، بل دلائل متراكمة على بدء انفراط حبات عقد هذه الاستراتيجية، بحيث لم تعد التحركات القائمة تعبّر عن إعادة تموضع مدروسة، بقدر ما تعكس محاولات متأخرة لاحتواء مسار فقد توازنه.
لقد لخصت الأحداث الأخيرة بالمنطقة؛ مؤشرات لا يمكن تجاهلها عن الإستراتيجية الإماراتية في إفريقيا والقرن الإفريقي والبحر الأحمر وخليج عدن.
فمنذ ما يزيد على عقد، تبنّت الإمارات استراتيجية خارجية نشطة في إفريقيا والقرن الإفريقي والبحر الأحمر وخليج عدن، قوامها النفوذ غير المباشر بدل الحضور العسكري الصريح، والاقتصاد كرافعة للأمن، والشراكات الانتقائية مع الفاعلين المحليين بدل التعامل مع الدولة المركزية وحدها. لقد ارتكز هذا التمدد على عدد من الأدوات رئيسية.
من هذه الأدوات التحكم في الموانئ وسلاسل الإمداد عبر الاستثمار أو الإدارة أو النفوذ الأمني، بوصفها مفاتيح التجارة والطاقة والتأثير الجيوسياسي. ومنها كذلك بناء شبكات نفوذ أمنية عبر قوى محلية أو مليشيات أو جيوش موازية، بما يسمح بتحقيق أهداف استراتيجية بكلفة سياسية منخفضة. و تأتي ضمنها الدبلوماسية المرنة التي تتحرك خارج الأطر التقليدية، مستفيدة من الفراغات المؤسسية والهشاشة السياسية في عدد من دول الإقليم.
غير أن هذه الاستراتيجية، رغم نجاحها المرحلي، أفرزت مع الوقت تناقضاتها الذاتية؛ فقد راكمت خصومات محلية، واصطدمت بعودة الدولة الوطنية في بعض الساحات، وتعرّضت للاختبار مع تصاعد التدخل الدولي المباشر في البحر الأحمر وخليج عدن، ما قلّص هامش الحركة الإماراتية وحوّل أدوات النفوذ نفسها من عناصر قوة إلى مصادر استنزاف بطيء وعالي الكلفة.
في اليمن، برز تباعد واضح في الرؤى بين أبوظبي والمملكة العربية السعودية، خصوصًا في مقاربة الجنوب، المجلس الانتقالي، وإدارة الموانئ.
وفي البحر الأحمر وخليج عدن، تصاعدت الاستهدافات، وتغيّرت قواعد الاشتباك، كما تزايد حضور لاعبين دوليين، ما أضعف قدرة أي فاعل إقليمي على الاحتكار.
لقد تحولت اليمن و بشكلٍ سريع من منصة نفوذ إلى ساحة استنزاف، ولم تعد الإمارات تمسك بخيوط اللعبة كما في السنوات الأولى. كما أن نفوذها في الجنوب أصبح مكلفًا سياسيًا، أدواتها المحلية باتت عبئًا تفاوضيًا، والتخاشن غير المعلن مع السعودية كشف هشاشة نموذج “تقاسم الأدوار”. بل بات كل ذلك، أمرًا يستنزف السمعة والموارد ويُظهر التناقض بين الخطاب والممارسة. وما بدأ يومًا كنموذج تدخل منخفض الكلفة، انتهى إلى معادلة استنزاف مرتفع الثمن بلا عائد استراتيجي صافٍ.
إن وهم السيطرة الهادئة الناعمة على خليج عدن والبحر الأحمر بدأ في السقوط، وبدا رهان الإمارات على الموانئ (عصبًا اقتصاديًا وأمنيًا) يواجه ثلاثة متغيرات كاسرة؛ من عسكرة الممرات البحرية،ودخول قوى كبرى مباشرة على خط الأمن البحري، وتحوّل الموانئ من أصول استثمارية إلى نقاط اشتباك سياسي وأمني. والنتيجة الحتمية هي تراجع القيمة الاستراتيجية للاستثمار مقابل ارتفاع كلفته الأمنية.
أما في السودان فقد انكشف الدعم المباشر وغير المباشر الذي تقدمه دولة الإمارات للمليشيا المتمردة سياسيًا وأخلاقيًا، وتحول هذا الدعم والارتباط من ورقة ضغط إلى عبء استراتيجي.
إن دعم المليشيا المتمردة في السودان لم يحقق لدولة الإمارات لا حسمًا، ولا نفوذًا مستدامًا، ولا قبولًا دوليًا. بل على العكس من ذلك، أدى إلى توحيد المزاج الوطني السوداني ضد التدخل، وكشف الدور الإماراتي في المحافل الحقوقية، وتحويلها من “وسيط محتمل” إلى طرف متهم. وهنا تحديدًا، بدأ الانفراط الحقيقي.
في ليبيا، تجمّد النفوذ عند خطوط تماس لا تتقدم.
وفي تشاد، أصبح الدور الإماراتي وظيفيًا محدود الأثر، لا يصنع قرارًا ولا يغيّر مآلات. هذه ليست خسارة نفوذ كاملة، لكنها بلوغ السقف دون قدرة على التمدد.
كذلك فإن التحرك الإماراتي إفريقيًا، بما في ذلك نشاط وزير الدولة شخبوط بن نهيان في أروقة الاتحاد الإفريقي وزياراته إلى دول مثل إثيوبيا وجنوب السودان والصومال وجيبوتي، يبدو أقرب إلى إدارة خسائر واحتواء ارتدادات ومنع انتقال العدوى الاستراتيجية من اليمن إلى بقية القرن الإفريقي، منه إلى هجوم دبلوماسي يستهدف استعادة التوازن أو توسيع النفوذ.
عمليًا، لم “تهزم” السعودية الإمارات عسكريًا، لكنها سحبت الغطاء الاستراتيجي، وأعادت تعريف قواعد النفوذ، كما فرضت منطق الدولة المركزية مقابل منطق الشبكات. وبذلك، تضرر و بشكلٍ كبير النموذج الإماراتي القائم على النفوذ دون مسؤولية
والتدخل دون كلفة سياسية مباشرة
ورغم التباينات العميقة التي برزت بين الإمارات والسعودية في اليمن وبعض ملفات الإقليم، فإن احتمالية انزلاق هذا التخاشن إلى نزاع مسلح مباشر أو حرب مفتوحة تبقى ضعيفة في المدى المنظور. فالعلاقة بين البلدين محكومة بشبكة مصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية عميقة، وبسقف ردع متبادل يمنع الانفجار الشامل.
لكن في المقابل، يُرجّح استمرار الصراع الصامت كتنافس على النفوذ، تباين في دعم الفاعلين المحليين، اختلاف في مقاربات الأمن الإقليمي، ومحاولات متبادلة لإعادة رسم خطوط التأثير دون كسر التحالف علنًا.
والخطر الحقيقي لا يكمن في الحرب المباشرة، بل في الاستنزاف غير المنظور على شاكلة تعطيل المشاريع، إضعاف الأدوات، وتآكل الثقة الاستراتيجية، وهو ما يفرض على الإمارات مراجعة نموذجها القائم على التمدد الوظيفي والدور النيابي، وعلى السعودية ترسيخ نموذج الدولة القائدة إقليميًا. وفي هذا السياق، فإن أي تصعيد غير محسوب سيخدم بالأساس القوى الدولية الكبرى، لا الفاعلين الإقليميين.
وعلى ما يبدو، فإن الدولة الوظيفية قد حان موعد سدادها للفواتير المؤجلة، فقبول الإمارات القيام بدور الدولة الوظيفية الإقليمية – المنفذة لأجندات أمنية واقتصادية وسياسية أوسع – وفّر لها حماية لفترة، لكنه من ناحيةٍ اخرى قيّد قرارها السيادي، وراكم خصوماتها المحلية، وجعلها أول من يُدفع إلى الواجهة عند الفشل.
لم يعد الرهان الحقيقي مرتبطًا بقدرة الحلفاء على توفير مظلة حماية مستدامة، بقدر ما بات مرتبطًا بعمر هذه الحماية وكلفتها السياسية والاقتصادية والأمنية المتراكمة. ففي المدى القريب، يُرجَّح أن تتجه السياسة المعنية إلى انكفاء تكتيكي محسوب، يتجلى في خفض مستوى الظهور المباشر داخل بؤر الصراع، وتقديم أدوات الدبلوماسية الوقائية على ما عداها، سعيًا لامتصاص الضغوط وتخفيف حدة الاستنزاف. وعلى المدى المتوسط، تلوح مؤشرات على إعادة صياغة نموذج النفوذ ذاته، عبر تقليص الاعتماد على الوكلاء، وإعادة هندسة أدوات التأثير، مع تركيز متزايد على تحسين الصورة الذهنية الدولية وإعادة التموضع ضمن الأطر المقبولة إقليميًا ودوليًا. أما على المدى البعيد، فإن المسار يظل مفتوحًا على احتمالين متناقضين؛ إما التحول التدريجي نحو دور دولة استقرار تتجنب التدخلات المكلفة، أو الانزلاق إلى نمط استنزاف مزمن يقوض النموذج الاقتصادي والسياسي، ويضعف قدرة الدولة على الحفاظ على مكتسباتها ونفوذها السابق.
إن متطلبات اللحظة الإقليمية الراهنة تفرض على دولة الإمارات تبنّي مسار خروج منظّم ومسؤول من الصراعات المفتوحة التي استنزفت الموارد وراكمت الكُلَف السياسية والأمنية، مع مراجعة جادة لسياسات الرهان على المليشيات والوكلاء، والتي أثبتت محدودية جدواها وارتفاع كلفتها على المدى المتوسط والبعيد. كما بات من الضروري إعادة توجيه الاستثمارات من الموانئ المتنازع عليها، التي تحولت إلى بؤر توتر وصراع نفوذ، نحو شراكات إقليمية مستقرة قائمة على المصالح المشتركة والتنمية المتوازنة. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة لإعادة تعريف العلاقة مع المملكة العربية السعودية بوصفها شريكًا استراتيجيًا كاملًا في أمن الإقليم واستقراره، لا كمنافس صامت على الجغرافيا أو النفوذ، بما يضمن تخفيف الاحتكاكات، وتعظيم المكاسب المشتركة، وحماية مستقبل الاستقرار في الخليج والبحر الأحمر.
إن ما يجري اليوم لا يمكن توصيفه كسقوطٍ مدوٍّ، بقدر ما هو انفراط صامت ومتدرّج، تتساقط فيه حبات العقد واحدة تلو الأخرى دون ضجيج، إلى أن يصبح ترميمه أكثر كلفة وتعقيدًا من نسج عقد جديد بالكامل. وفي هذا السياق، تقف دولة الإمارات عند مفترق تاريخي بالغ الحساسية؛ فإما الإقدام على مراجعة شجاعة تعيد التوازن إلى سياساتها الإقليمية وتوقف نزيف الاستنزاف قبل أن يتكرّس، وإما الاستمرار في التمسك بنموذج نفوذ استُهلكت صلاحيته، ولم يعد قادرًا على إنتاج الاستقرار أو حماية المكاسب، بل يراكم أسباب التآكل البطيء الذي لا يُرى أثره إلا بعد فوات أوان المعالجة، فالدول قد لا تُحاسَب في التاريخ على طموحاتها، لكنها قد تدفع ثمن عدم إدراكها أن أدوات النفوذ التي صنعت صعودها قد تصبح عبئًا على بقائها.
الأحد 11يناير 2026م



