الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

الإمارات عندما تُكْسَر الإرادة بمحض الإرادة

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

ليست البيانات المتلاحقة الصادرة من عدن والرياض وأبوظبي في الثلاثين من ديسمبر 2025م، و ما تلى ذلك من تحركات وتصريحات وأحداث مجرد تطورات عابرة في مشهد يمني مأزوم، بل تمثل لحظة كاشفة لانكسار نمطٍ كامل من السياسات الإقليمية التي اعتادت فرض الوقائع بالقوة الناعمة حينًا، وبالأدوات الخشنة حينًا آخر.
فما جرى في اليمن خلال ساعات قليلة، من إلغاء اتفاقية دفاع مشترك، إلى منح مهلة 24 ساعة لخروج القوات الإماراتية، ثم إعلان أبوظبي انسحابها «بمحض إرادتها»، يكشف بوضوح الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاستراتيجي، وبين ادعاء التحكم في المسارات، والانصياع الفعلي لميزان الإرادات.

هذا المقال لا يقرأ الحدث اليمني بمعزل عن سياقه، بل يضعه ضمن مسار طويل لسياسات إماراتية بدأت منذ 2010م، وتدرّجت من محاولة التأثير إلى محاولة الفرض، ومن الشراكة إلى الوصاية، قبل أن تصطدم اليوم بجدار الإرادة الوطنية، والحسم السعودي، ووعي القيادة اليمنية.

منذ العام 2010م، ومع تداعيات الربيع العربي، دخلت السياسة الخارجية الإماراتية طورًا جديدًا يمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل رئيسية:

مرحلة القلق الوقائي (2010م–2013م): اتسمت بمحاولة احتواء أي تغييرات إقليمية قد تهدد البنية الداخلية للنظام، عبر دعم الاستقرار الشكلي، ورفض التحولات السياسية الجذرية، خاصة تلك المرتبطة بالإسلام السياسي أو الحركات الشعبية.

مرحلة التمدد النشط (2014م–2019م): وهي المرحلة التي شهدت انخراطًا مباشرًا في ملفات إقليمية متعددة، من اليمن إلى ليبيا، ومن القرن الإفريقي إلى شرق المتوسط، مع اعتماد أدوات النفوذ العسكري، والاقتصادي، والأمني، تحت عناوين مكافحة الإرهاب، وحماية الملاحة، والاستقرار الإقليمي.

مرحلة إدارة النفوذ وتبرير الانسحاب (2020م–2025م): وفيها بدأت أبوظبي تعيد تعريف تدخلاتها، وتقدم الانسحابات على أنها «قرارات سيادية طوعية»، كما ورد في مقال أنور قرقاش الأخير، الذي حاول تأطير السياسة الخارجية الإماراتية بوصفها «براغماتية عقلانية»، بينما الوقائع على الأرض تشير إلى انسحابات مفروضة أكثر منها مختارة.

لقد اتبعت الإمارات نموذجًا متكررًا في تدخلاتها الخارجية، يبدأ بـالنفوذ الناعم وينتهي غالبًا بـالنفوذ القسري و العنف:
ففي سوريا دعم مسارات تفكيك الدولة عبر أدوات سياسية واقتصادية، ثم محاولة العودة إلى المشهد عبر إعادة التطبيع دون معالجة جذور الأزمة.
وفي ليبيا اتبعت دعم مليشيات مسلحة خارج الشرعية الدولية، والمساهمة في عسكرة الصراع، ما أدى إلى إطالة أمد الحرب وتقويض فرص التسوية.
وفي قطر كان الانتقال من الخلاف السياسي إلى الحصار الشامل، ثم التراجع دون تحقيق الأهداف المعلنة.
أما في السودان، فلم تتورع الامارات عن دعم مليشيا الدعم السريع بالسلاح والمال والغطاء السياسي، في واحدة من أكثر حالات التدخل فجاجة، ساهمت في تفكيك الدولة وإطالة الحرب وإغراق البلاد في الفوضى. في نموذج السودان، لم يعد دعم الإمارات لمليشيا الدعم السريع محل تحليل أو اتهام سياسي، بل أصبح ملفًا موثقًا بالأدلة والشهادات والمسارات اللوجستية.
وفي اليمن، يتكرر المشهد بصورة أكثر وضوحًا عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، وإنشاء تشكيلات مسلحة موازية للدولة، والسيطرة على الموانئ والجزر والمطارات خارج إطار الشرعية.
وهذا ما يعيدنا إلى ما أشرنا إليه سابقًا في مقالات البحر الأحمر، من أن السيطرة على الموانئ والجزر ليست غاية بذاتها، بل وسيلة لكسر القرار السيادي للدول المشاطئة.
وفي كل هذه النماذج، يتكرر السلوك ذاته المتدرج من التأثير، السيطرة، فرض الإرادة، إلى الارتداد.

إن منطق دعم المليشيات لم يكن يومًا أداة استقرار، بل وسيلة لكسر الإرادة الوطنية وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية بما يخدم مصالح خارجية.

إن ما جرى في حضرموت والمهرة وعدن من قرارات و أحداث، شملت:
إعلان حالة الطوارئ.
إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات.
مهلة 24 ساعة لخروج القوات.
تسليم المعسكرات لقوات «درع الوطن».
دعم سعودي صريح لقرارات القيادة اليمنية.
بيان سعودي واضح يرفض التصعيد الإماراتي ويطالب بسحب القوات.
توثيق شحنات عسكرية إماراتية ومحاولات توزيعها في وادي حضرموت.
ثم، خلال ساعات تعلن الإمارات انسحابها «بمحض إرادتها». وهنا تتجلى المفارقة الكبرى؛ حين تُكسر الإرادة، يُعاد تعريف الهزيمة على أنها قرار سيادي.

إن الرسالة الأساسية التي تحملها هذه الأحداث الأخيرة هي أن محاولة فرض النفوذ بالقوة، مهما طال زمنها، تصطدم حتمًا بعوامل حاسمة أهمها وعي القيادة الوطنية التي تدرك حدود الشراكة وخطورة الوصاية، والحسم الإقليمي المسؤول كما فعلت المملكة العربية السعودية حين وضعت خطوطًا واضحة لا يمكن تجاوزها، وإرادة الشعوب التي قد تصبر، لكنها لا تنسى، ولا تقبل أن تُدار كملف أمني أو سوق نفوذ.

وما جرى في اليمن ليس نهاية فصل، بل درس سياسي واستراتيجي بالغ الأهمية يؤكد أن الإرادة لا تُكسر بالمال، ولا تُشترى بالسلاح، ولا تُدار بالبيانات.فقد تعلن الدول انسحابها «بمحض إرادتها»، لكن التاريخ يسجل دائمًا من فرض القرار، ومن اضطر إلى قبوله.
وفي منعطفاتٍ كهذه ومع هذه الاجراءات و الاحداث، يتأكد أن الشعوب حين تمتلك وعيها، والقيادات حين تمتلك قرارها و تحكم رؤاها، فإن كل مشاريع الفرض الخارجي، مهما بدت قوية، تنتهي إلى الانكسار. وتظل الإرادة الوطنية هي القوة التي لا تُهزم.

الخميس الأول من يناير 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!