الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

استشراف المستقبل في عصر الذكاء الاصطناعي (1)

د. محمد عبدالرحيم يسن





نكتب عن المستقبل اليوم والسودان يخرج من حرب تركت جراحا عميقة في الإنسان والمكان. مدن تضررت، خدمات تعطلت، ومؤسسات أُنهكت.
في مثل هذا الواقع، قد يبدو الحديث عن التخطيط للمستقبل ترفا مؤجلا، لكن الحقيقة عكس ذلك، ففي لحظات ما بعد الأزمات، يصبح التفكير في المستقبل ضرورة لا تحتمل التأجيل.
إعادة الإعمار ليست إعادة بناء ما تهدم، بل فرصة لإعادة التفكير في الطريقة التي ندير بها شؤوننا. فالحروب رغم اثارها المدمرة، لكنها تفتح أيضا بابا لإصلاحات كان من الصعب تنفيذها في الظروف العادية. وهنا يبرز دور التخطيط الاستراتيجي واستشراف المستقبل كأدوات لتجنب تكرار الأخطاء وبناء مؤسسات أكثر قدرة على الصمود.
الخطط التقليدية التي تفترض الاستقرار لم تعد كافية، فالواقع الجديد يتسم بعدم اليقين… “تحولات سكانية بسبب النزوح، ضغط متزايد على الخدمات في مناطق معينة، تغيرات في أنماط المعيشة والعمل، وموارد محدودة يجب توجيهها بحكمة”. في مثل هذا السياق، لا يكفي أن نسأل.. ماذا نريد أن نفعل؟ بل يجب أن نسأل.. ما الذي قد يحدث؟ وكيف نستعد لعدة احتمالات بدل مسار واحد؟
استشراف المستقبل لا يعني التنبؤ بالغيب، بل قراءة الاتجاهات وبناء سيناريوهات متعددة تساعد صانع القرار على رؤية الصورة الأوسع. ماذا بعد العودة نحو المدن الكبرى؟ ماذا لو تأخرت عودة بعض الخدمات الأساسية؟ ماذا لو لم تعود الكفاءات المهاجرة بسبب الحرب الهجرة؟ التفكير في هذه الاحتمالات لا يزرع التشاؤم، بل يقلل المفاجآت ويجعل الاستجابة أسرع وأكثر فاعلية.
في عصر الذكاء الاصطناعي، تتوفر أدوات جديدة تساعد في هذا النوع من التفكير. تحليل البيانات يمكن أن يكشف أنماطا في توزيع السكان واحتياجاتهم، وأنظمة المتابعة الرقمية يمكن أن توفر مؤشرات حية عن الضغط على الخدمات، مما يدعم قرارات أكثر دقة في إعادة توزيع الموارد. فالتقنية هنا وسيلة لترشيد القرارات في زمن الندرة.
مرحلة ما بعد الحرب يمكن أن تكون نقطة انطلاق نحو نموذج تخطيط مختلف: تخطيط مرن، يتعلم باستمرار، ويعتمد على البيانات، ويضع في الحسبان أن المستقبل قد لا يسير في خط مستقيم. فبدل أن نعيد بناء الهياكل نفسها بالطريقة نفسها، يمكن أن نبني مؤسسات أكثر قدرة على التكيف مع الصدمات.
هكذا يصبح استشراف المستقبل جزءا من عملية التعافي نفسها. ليس هروبا من الواقع، بل وسيلة للتعامل معه بوعي أكبر. فالأمم لا تنهض فقط بإزالة آثار الدمار، بل ببناء رؤية واضحة لما تريد أن تكون عليه في السنوات القادمة.
في المقال القادم، ننتقل من الفكرة العامة إلى أداة عملية من أدوات استشراف المستقبل، ونرى كيف يمكن استخدامها في بيئة محدودة الموارد مثل بيئتنا.

١١ فبراير ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!