
يعد معرض الإلكترونيات الاستهلاكية CES (Consumer Electronics Show) أكبر مؤتمر عالمي معني باستشراف مستقبل التقنية، وقد انعقد هذا العام في مدينة لاس فيغاس بالولايات المتحدة خلال الفترة من 6 إلى 9 يناير 2026، بتنظيم من جمعية تكنولوجيا المستهلك (CTA). وعلى مدى أكثر من خمسة عقود، تحول CES من معرض للأجهزة إلى منصة عالمية تعرض فيها الرؤى التي تشكل ملامح الاقتصاد والإدارة وأنماط العيش في السنوات التالية. لذلك فإن ما يطرح فيه لا يقرأ بوصفه تطورا تقنيا فحسب، بل كمؤشر مبكر على تحولات أعمق تمس بنية الدولة الحديثة.
شارك في المؤتمر هذا العام طيف واسع من الشركات التقنية الكبرى، من بينها NVIDIA وMicrosoft وGoogle وAmazon وSamsung وSony وMeta، إلى جانب آلاف الشركات الناشئة ومراكز البحث، إضافة إلى وفود حكومية وممثلين عن مدن ذكية ومؤسسات تنظيمية. هذا التداخل بين السوق والعلم وصانع القرار يعكس المكانة التي بات يحتلها CES بوصفه مساحة تتقاطع فيها الابتكارات التقنية مع السياسات العامة.
ما كشفه المؤتمر تجاوز مرحلة التركيز على رقمنة الخدمات، وانتقل إلى مرحلة أكثر عمقا تتعلق برقمنة الفعل نفسه. لم تعد القضية محصورة في منصات إلكترونية أو تطبيقات لتسهيل الإجراءات، بل في أنظمة ذكية قادرة على الفهم والتحليل واتخاذ القرار والتنفيذ. هذا التحول يطال جوهر عمل الدولة، ويعيد طرح سؤال التحول الرقمي بوصفه سؤال إدارة وحكم، لا مجرد تحديث تقني.
برز في هذا السياق الذكاء الاصطناعي الوكيلي، الذي يعمل كوكلاء قادرين على التخطيط والتنفيذ والتعلم من النتائج دون توجيه تفصيلي مستمر. هذا النموذج يحمل وعودا كبيرة لرفع كفاءة الأداء المؤسسي، لكنه يفتح في الوقت نفسه بابا لأسئلة تأسيسية حول الحوكمة والمساءلة وحدود التفويض، إذ لا يمكن للدولة أن تفوض جزءا من قرارها دون إطار قانوني وأخلاقي واضح يضبط هذا التفويض.
كما أظهر المؤتمر صعود ما يعرف بالذكاء الاصطناعي الفيزيائي، وهو انتقال الذكاء الاصطناعي من التعامل مع البيانات المجردة إلى فهم العالم المادي وقوانينه. هذا التطور يتيح إمكانات واسعة في إدارة المدن والبنية التحتية والطاقة والنقل والاستجابة للكوارث، ويجعل الدولة أكثر قدرة على التفاعل مع الواقع في الزمن الحقيقي، بدل الاعتماد على تقارير متأخرة أو تقديرات غير دقيقة.
أما الحضور المتزايد للروبوتات البشرية، فلم يكن مجرد استعراض تقني، بل مؤشر على اقتراب مرحلة تصبح فيها هذه الكيانات جزءا من الخدمة العامة، في مجالات مثل الرعاية الصحية والتعليم والطوارئ. غير أن هذا التطور يطرح سؤالا سياديا حساسا يتعلق بملكية القرار الخوارزمي، ومن يحدد منطق عمل هذه الأنظمة داخل المجال العام.
وفي جانب آخر، أظهر CES تضييق الفجوة بين النماذج مفتوحة المصدر والنماذج المغلقة، واعتماد نسبة كبيرة من الشركات الناشئة على الحلول المفتوحة. هذه رسالة مهمة للدول التي تأخرت في مسار التحول الرقمي، إذ ما زالت الفرصة قائمة للحاق، شريطة الاستثمار في المعرفة وبناء القدرات المحلية والعمل بعقل مؤسسي جمعي، لأن الدولة الرقمية لا تستورد جاهزة.
وفي الحالة السودانية، تأتي هذه التحولات في لحظة أعلن فيها عن قيام هيئة معنية بالذكاء الاصطناعي، وهو إعلان لا ينبغي التعامل معه بوصفه خطوة تنظيمية شكلية، بل بوصفه اختبارا مبكرا لجدية الدولة في إدارة هذا الملف بوصفه خيارا سياديا. ما يطرحه CES يوضح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة تقنية بل عنصر مؤثر في طريقة الحكم وإدارة الموارد واتخاذ القرار. ومن ثم فإن نجاح الهيئة الوليدة لن يقاس بزخم الإعلانات أو عدد المبادرات، بل بقدرتها على بلورة رؤية وطنية واضحة، يسبق فيها الإطار القانوني والتشريعي التطبيق التقني، وتدار فيها الخوارزميات بعقل الدولة ومصالحها، لا باعتبارها حلولا جاهزة تستورد من الخارج. فالتحول الرقمي في السودان، إن أريد له أن يكون جادا ومستداما، يجب أن يبنى على الفهم والحوكمة قبل المنصات، وعلى السيادة قبل السرعة.
24 يناير 2026م



