
رُزء السودانيون المرابطون داخل السودان، والذين استجابوا لقول الله تعالى: “قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا”، فهاجروا في أرض الله الواسعة، كسباً للرزق، وحفظاً للنفس، قبل وبعد شرور حرب مليشيا الجنجويد، بوفاة الأخ الصديق الرسيل
أحمد كمال الدين محمد الحسن عز الدين، فاسمه واسم والده من الأسماء المركبة التي درج عليها كثير من السودانين، رجل القانون والصحافة والثقافة، يوم
الخميس 8 يناير (كانون الثاني) 2026 في البحرين، إذ غيبه الموت عن دنياواتنا الفانيات، في رحيل الفُجاءة!
فالموتُ فُجاءةً كان أم بعد قضاءٍ مؤجلٍ (مرض)- أدركه سابقاً، ويدركنا لاحقاً، أينما نكون، حتى ولو كنا في بروجٍ مشيدةٍ، تصديقاً لقول الله تعالى: “أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا”. وتذكيراً بقول الشاعر العربي خويلد بن محرث بن سعد بن هذيل، المعروف بأبي ذؤيب الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها
ألفيـت كـل تميمـةٍ لا تنفـعُ
فقد شقَّ تصديق نبأ نعيه على الكثيرين من أصدقائه ومعارفه، وأنا من بينهم، بين مصدقٍ وغير مصدقٍ، لا سيما وأن بعض أخبار الوفَيات في زمان الناس هذا، تُكذب بعد حينٍ، وذلكم من آفة الأخبار، فلا غروَّ أن قال في ذياكم الأمر، محمد بن الحُسين الشريف الرافضي:
وَهُم نَقَلوا عَنِّ الَّذي لَم أُفُه بِهِ
ما آفَةُ الأَخبارِ إِلّا رُواتُها
فالجزعُ الذي أصاب بعض أهليه وأصدقائه من نبأ وفاته، أنهم كانوا على تواصل معه قبل بضع ساعاتٍ من رحيله المؤلم، دون أن يشكو من عِلةٍ أو داءٍ، فتسارعت الاتصالات بين السودان والبحرين وبريطانيا ومصر ودول الخليج والولايات المتحدة الأميركية، بحثاً عن تأكيد النبأ الأليم، ويُمنون النفس أن يكون الخبر كذوباً!
الموتُ علينا حقٌ معلومٌ، لا مفر منه، ولا فرار عنه، تأكيداً لقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. على الرغم من أن نبأ الموت لم يعد يجزع منه الكثير من السودانين هذه الأيام الصعيبات التي تترى فيه أنباء الوفَيات، بعد حرب مليشيا الدعم السريع، قتلاً للأبرياء، وتضييقها على المرضى الباحثين عن العلاج سواء داخل السودان أو خارجه! فكثر الموت بين السودانيين داخل السودان وخارجه هذه الأيام! إلى الدرجة التي بدأ بعض السودانيين في شراء مقابر في مصر لدفن موتاهم! فالموت حزنه أليم، إلا أن موت الفُجاءة حُزنه أوقع، ومُصابه جلل لدى أهل الميت وأصدقائه ومعارفه، وعارفي فضله وإحسانه. فموت الفُجاءة من أقدار الله التي يقضي بها في عباده، بأن يُصيب الموتُ مفاجأةً من غير إمهالٍ ولا إخطارٍ، وإنما هجوماً تنسل به الروح من غير معاناة سكرات الموت ومقدماته. وموت الفُجاءة، وهو موت راحة للمؤمن، كما جاء في مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الذهلي الشيباني وغيره من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن موت الفُجأة، فقال: “راحة للمؤمن، وأخذة أسف الفاجر”.
و ذهب بعض أهل العلم إلى أن موت الفُجاءة يُعد من علامات اقتراب الساعة، ودليلهم في ذلكم، حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلاً فيقال لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقاً، وأن يظهر موت الفُجاءة”. وقد يُصاب المؤمن بموت الفُجاءة بسكتةٍ قلبيةٍ أو غيرها، ويكون راحة له ونِعمة من الله عليه، لكونه قد استعد واستقام وتهيأ للموت، واجتهد في الخير، فيؤخذ فجأةً وهو على حالةٍ طيبةٍ، على خيرٍ وعملٍ صالحٍ، فيستريح من كروب الموت، وتعب الموت ومشاقه.
وبالعودة إلى السُّنة أيضاً، نجد أن تزايد حالات الموت الفُجائي علامةٌ، أشار إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- وبيّنها ووضحها تمام الوضوح، والعُمدة فيها حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إن من أمارات الساعة أن يظهر موت الفُجاءة”، رواه الطبراني وحسّنه الألباني.
عرفتُ الاخ الرسيل الراحل أحمد كمال الدين محمد الحسن عز الدين منذ العهد الطالبي في جامعة الخرطوم، ففرقت بيننا سُبل كسب العيش في مرافئ الغُربة، وجعلناها وطننا ثانياً لكلينا، إلا أن أحمد كمال الدين بدأ غُربةً سواحةً في المملكة العربية السعودية، ثم دلف مغترباً من أهل السبق في المملكة المتحدة. لم يكن الراحل أحمد كمال الدين يُضيق واسعاً في تعليمه ومهنته، إذ لم يحصر تعليمه في القانون الذي كان فيه ضليعاً، ولم يعتكف في صومعة الفنون التي فيها فنانا فدياسياً، إذ ولج في مستهل تعليمه العالي إلى كلية الفنون الجميلة، ليُلبي مطمحاً خالجه في دراسة الفنون الجميلة التي أمضى فيها بضعة أشهر، ولكن كانت مثل هذه الكليات لتُلبي رغائب الأهلين في تعليم أبنائهم، فهجرها مرغماً إلى العمل في التدريس -ورحم الله سياسة جامعة الخرطوم في الأسبقين، أنها كانت توسع ماعونها لقبول الطلاب الناضجين (Mature Students)- فما كان لأحمد كمال الدين ومن أمثاله الناضجين إلا أن يلتحقوا بها، ويُفيضوا عليها من نضجهم بُعداً، ومن حراكهم ثقافةً وسياسةً واجتماعاً، ففي سُوح كلية القانون بجامعة الخرطوم، كان أحمد كمال الدين يتطور فكراً، ويترقى ثقافةً. فلم يقنع أحمد كمال الدين أن يحصر نفسه في مدارج القانون، بعد أن لبى رغائب الأهلين، فولج عالم الصحافة والإعلام.
ففي هجرته الثانية بين المملكتين السعودية والمتحدة، أناخ بعيره مع ثُلة من إخوانه الإسلاميين في منطقة إسلاو من ضواحي لندن، وويمبلي غرب لندن، والأخيرة زائعة الصيت لدى أهل كرة القدم وعشاق الأولمبياد عالمياً، لأن فيها ملعب ويمبلي الشهير، فكان أن عمل مع تلكم الثلة في صحيفة آربيا Arabia وثيرد ورلد رفيو Third World Review. فنهل ذلكم الجمع في صباه الباكر من العلم والثقافة، وامتهنوا الترجمة والصحافة، تلك أيام لم ندركها، ولكنّا عرفناها سماعاً كفاحاً من بعض أهليها، ومنهم أحمد كمال الدين.
وتوثقت علائقي بالأخ الراحل أحمد كمال الدين عندما استقر به المقام في بريطانيا، وقدمتُ إليها دارساً، ثم صحافياً عاملاً في صحيفة “الشرق الأوسط” في لندن لثلاثة عقود، فقرب بيني وبينه التواصل والوداد، والتزاور، وتشاركنا في بعض هموم الوطن الأم والمواطنة من خلال تسنمي الأمانة العامة للمجلس القومي السوداني في المملكة المتحدة وإيرلندا، فكان الصديق الصدوق أحمد كمال الدين يُؤاذرنا في منابرنا، ويعمل على إنجاحها، مثاقفةً وفكراً وشورى.
والمعلوم، عن الأخ أحمد كمال الدين أنه شخصٌ منظمٌ، يسوس أموره بدقةٍ متناهيةٍ، ونظامٍ دقيقٍ، فلما تم اختياره عضواً في المجلس القومي للصحافة والمطبوعات، اقترح تنظيم مهنة الصحافة على غرار تنظيم مهنة القانون، ورغم معارضة البعض لهذا الاقتراح، تم إقرار امتحان السجل الصحافي.
ولما عاد إلى السودان، ترأس وأسس بعض الصحف والمجلات، من بينها “دارفور الجديدة” ومجلة سوداناو ونيو هورازن وسودان استاندرد، وصحيفة “المخبر” وهي صحيفة تابلويد، كان مانشيت عددها الأول عن بنجامين ناتنياهو في أول عهد له برئاسة مجلس الوزراء الإسرائيلي، أنه مولود في دنقلا بالسودان، على غير ما هو معروف عنه، بأنه أول رئيس وزراء إسرائيلي وُلد في إسرائيل! فكان مكتبه في الخرطوم ملتقانا اليومي عندما أقضي عطلاتي مع الأهل في السودان. وعندما هاجر هجرته الأخيرة إلى البحرين، كان ملتقانا في منزله بالمنامة.
أخلص إلى أن الأخ الرسيل أحمد كمال الدين -يرحمه الله- كان ودوداً متواضعاً، وكريماً سخياً، واجتماعياً رفيقاً. المعاملة عنده ينبغي أن تكون بحسن الخلق، ولين الجانب، ورقة التعامل. ولا يُعادي أحداً، لأنه كان يعلم أن هذه الحياة الدنيا ما هي إلا متاع الغرور، وكأنه في ذلك يستذكر قول الله تعالى: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ”. وقول الشاعر العربي أبي الطيب أحمد بن الحسين، المعروف بالمتنبئ:
ومُراد النفوس أصغر من أن
نتعادى فيه وأن نتفانى
غير أن الفتى يُلاقي المنايا
كالحاتٍ ولا يُلاقي الهوانا
كان الراحل أحمد كمال الدين كتوماً في شأنه الخاص، يستشكل على أصدقائه ومعارفه سبر أغواره. وكان يفعل الخير لأهل السودان دون ذكره في مجالسه أو خاصته، وقد علمت ذلكم من صداقته لي سنين عدداً. فكان من الذين يدركون أن من يفعل الخير لا يعدم جوازيه، تصديقاً لقول الله تعالى: “وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا”، وتأكيد لقول أَبُي مُلَيْكَة جُرُولْ بْنْ أَوْسْ بْنْ مَالِكْ المعروف باسم الْحُطَيْئَةِ:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس
مما لا ريب فيه، أن فقد الأخ أحمد كمال الدين كان فقداً عظيماً وحُزناً أليماً، ومُصاباً جللاً، لأهليه وأصدقائه ومعارفه وعارفي فضله وإحسانه داخل السودان وخارجه، لما يتميز به من معشر طيب، ومعاملة حسنة، وصداقة واسعة، وعلاقات متميزة.
وأحسبُ أن الأخ الرسيل أحمد كمال الدين، في
خدمته للناس، وحُسن تعامله معهم، كان يتمثل في نفسه قول الله تعالى: “وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً”، وكذلك قول الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي:
الناس بالناس مادام الحياء بهم
والسعد لا شك تارات وهبات
وأفضل الناس ما بين الورى رجل
تُقضى على يديه للناس حاجات
لا تمنعن يد المعروف عن أحد
ما دمت مقتدراً فالسعد تارات
وأشكر فضائل صنع الله إذ جعلت
إليك لا لك عند الناس حاجات
قد مات قوم وما ماتت مكارمهم
وعاش قوم وهم في الناس أموات
وختاماً أسأل الله تعالى أن يتقبَّل فقيدنا الأخ أحمد كمال الدين الذي عاش متواضعاً، ورفيقاً، ومحباً، ومحبوباً من أهليه وأصدقائه ومعارفه وعارفي فضله وإحسانه كافة، قبولاً طيباً حسناً ويُلهم ذويه وأهليه وأصدقاءه ومعارفه الصبر الجميل.
ولنستذكر في هذا الصدد قول الله تعالى:
“وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّه كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ”.




