
في لحظاتٍ فارقة من تاريخ الأمم، تظهر معادن الرجال، وتُختبر الإرادات، وتُصقل المبادئ في أتون المحن. هكذا كان حال السودان حينما عصفت به رياح التمرد، وتكالب عليه الداخل والخارج، فوقف على حافة الانهيار. لكن في خضم هذا الظلام، بزغ نور من رجال صدقوا ما عاهدوا به الوطن، فكانوا أبطال الميدان، وسدًّا منيعًا أمام الانهيار، وعينًا ساهرة لا تنام.
لم تكن المعركة ضد تمرد مليشيات الدعم السريع مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت معركة وجود، استهدفت كيان الدولة ومؤسساتها، وسعت لتمزيق النسيج الوطني، وفتح الأبواب أمام مشاريع خارجية لا ترى في السودان إلا ساحة نفوذ وصراع. لكن رجال الدولة الحقيقيين، أولئك الذين لا يبحثون عن الأضواء ولا يسعون وراء المناصب، أدركوا حجم التحدي، فهبّوا للدفاع عن الوطن، كلٌّ من موقعه، وبما يملك من أدوات.
تحركوا بسرعة وحنكة، فكانوا في قلب الحدث، ينسجون خيوط التواصل مع المحيط الإقليمي والدولي، يشرحون حقيقة ما يجري، ويكسبون التأييد والدعم، لا لأنهم بارعون في الخطابة، بل لأنهم صادقون في نواياهم، واضحون في أهدافهم: السودان أولًا وأخيرًا.
ولم يكن فك الخناق عن الدولة السودانية أمرًا يسيرًا، بل كان ثمرة تحركات شجاعة لتحريك القوى الصلبة في لحظة مفصلية، حيث تم توجيه هذه القوى لدعم الجبهة الوطنية، وتوحيد الجهود نحو هدف واحد: حماية الدولة من الانهيار. لقد أعادوا ترتيب الصفوف، وفعّلوا أدوات الردع، وفرضوا هيبة الدولة في مواجهة الفوضى. لم يكن ذلك قرارًا سهلاً، بل تطلب شجاعة نادرة، وقرارات حاسمة، وإرادة لا تلين.
تكبّد هؤلاء الرجال عناء العمل المتواصل ليلًا ونهارًا، في غرف العمليات، وفي الميدان، وفي أروقة السياسة والدبلوماسية. لم يعرفوا للراحة طعمًا، ولا للكلل سبيلًا. كانوا يدركون أن كل ساعة تأخير تعني مزيدًا من المعاناة، وأن كل خطوة إلى الأمام تقرّب الوطن من برّ الأمان.
ولم يكن الطريق مفروشًا بالورود، بل كان مليئًا بالأشواك. فقد تحملوا بصبرٍ رسائل التخوين والتشكيك، وتعرضوا لحملات التشويه والتضليل، لكنهم لم يلتفتوا، ولم يبدلوا تبديلاً. كانوا يعلمون أن من يعمل لأجل الوطن لا ينتظر التصفيق، وأن من يسير في درب فداء الأوطان لا بد أن يواجه العواصف. فثبتوا على مبادئهم، واحتسبوا الأذى في سبيل السودان، مؤمنين أن التاريخ سينصفهم، وأن الحق لا يُطمس.
عملوا بصمت على إعادة التوازن داخل الدولة، فكانوا همزة الوصل بين القوى الوطنية، وجسرًا لعبور المرحلة الحرجة. أعادوا فتح مسارات العملية السياسية، لا من باب المحاصصة أو المكاسب، بل من باب الواجب الوطني، مؤمنين أن لا استقرار دون وفاق، ولا وفاق دون عدالة، ولا عدالة دون دولة.
لم تُذكر أسماؤهم في نشرات الأخبار، ولم تُرفع صورهم في الميادين، لكن مواقفهم كانت أبلغ من كل خطاب. جلسنا إلى بعضهم، شبابًا في مقتبل العمر، يحملون في عيونهم بريق الإيمان، وفي قلوبهم نبض الوطن. قالوا لنا بوضوح: “نكون أو لا نكون، لكن لا بد أن يكون السودان”.
هؤلاء هم أبطال الميدان، رجال الدولة الحقيقيون، الذين لا ينامون حين ينام الآخرون، ولا يتراجعون حين تشتد العواصف. بهم نثق، وعلى أكتافهم تُبنى الأوطان.
١٣ يناير ٢٠٢٦ م




